Diaries
13:59
الرئيس السنيورة في احتفال إطلاق تقرير "التنمية الإنسانية العربية"
تمسكنا بالعيش المشترك في لبنان وبلبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه لا يثنينا
أو يضعف فينا الانتماء العربي ولا تناقض بين لبنانيتنا ووطنيتنا وأصالة عروبتنا
إنهاء الاحتلال وتوفير الظروف المواتية لحل شامل وعادل لمعاناة الشعب الفلسطيني
وإنهاء النزاعات المسلحة في البلدان العربية شروط أساسية لأمن انساننا العربي
ضرورة إعادة النظر جذريا بالأساليب المعتمدة سابقا في العمل لاستعادة الأرض
من دون حل الصراع العربي - الإسرائيلي لن نتمكن من حماية الامن الانساني العربي
أكد رئيس الحكومة المكلف تصريف الأعمال فؤاد السنيورة أن "تمسكنا بالعيش المشترك في لبنان وبلبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه لا يثنينا أو يضعف فينا الانتماء العربي، بل على العكس من ذلك، انه يتكامل معه. إذ لا تناقض بين تمسكنا بلبنانيتنا ووطنيتنا وبين أصالة عروبتنا وعمقنا الثقافي والتاريخي والجغرافي وعلاقاتنا القائمة على الاحترام المتبادل مع جميع الأشقاء العرب الأقربين والأبعدين".
ودعا الرئيس السنيورة إلى "ضرورة إعادة النظر جذريا بالأساليب والطرق التي كانت معتمدة في السابق في العمل لاستعادة الأرض وفي العمل لتحصين امن المواطن العربي"، مؤكدا أن "العيش المشترك المسيحي-الإسلامي في لبنان، لا يمكن أن نفرط به أو نتهاون إزاء أي محاولات للمساس بثوابته ومكوناته. فسلمنا اساس استقرارنا، واستقرارنا أساس تقدمنا وتطورنا، ولهذه الأسباب عمل أعداء لبنان على ضرب أسس هذا التعايش وزعزعته، والذي أثبت على رغم كل الأزمات صلابته واستمراره".
وأكد أن "لا نمو ولا تنمية ولا تقدم ولا تطور ولا رفاه بالقدْر الذي نحتاجه في العالم العربي، ما دام الكيان الاستيطاني الإسرائيلي مستمرا في فرض هذا الصراع وبشكل متصاعد منذ أكثر من ستين عاما"، معتبرا أن "إنهاءَ الاحتلال، وتوفيرَ الظروف المؤاتية لإيجاد حل شامل ونهائي وعادل لمعاناة الشعب الفلسطيني كما العملُ على إنهاء النزاعات المسلحة في البلدان العربية الأخرى، هي شروط أساسية وغير قابلة للمساومة، إذا ما أردنا فعلا أن نحقق أمن إنساننا العربي بمفهومه العريض كما يتناوله التقرير".
كلام الرئيس السنيورة جاء في كلمة له خلال احتفال إطلاق تقرير التنمية الإنسانية العربية، صباح اليوم في السرايا الحكومية، والذي ينظمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي - المكتب الإقليمي للدول العربية، برعاية الرئيس السنيورة بعنوان "تحديات امن الإنسان في البلدان العربية"، في حضور ممثل رئيس مجلس النواب النائب أنور الخليل، نائب رئيس الحكومة اللواء عصام أبو جمرا والوزراء: خالد قباني، بهية الحريري، محمد جواد خليفة، طارق متري وماريو عون، ممثل الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عبد الرحمن الصلح، الأمين العام المساعد للأمم المتحدة المدير الإقليمي لمكتب الدول العربية أمة العليم علي السوسوة، الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مارتا رويداس وحشد من السفراء العرب والأجانب والنواب وشخصيات فكرية وثقافية وإعلامية.
مقصود
استهل الاحتفال بالنشيد الوطني، ثم ألقى عضو الفريق الاستشاري لتقرير التنمية الإنسانية استاذ القانون الدولي ومدير معهد دراسات عالم الجنوب في الجامعة الاميركية في واشنطن الدكتور كلوفيس مقصود كلمة جاء فيها: "اشهار هذا التقرير اليوم في عاصمة لبنان، عاصمة الكتاب، يؤكد لبنان الرسالة التي نستطيع ان نختزلها بكلمة "اقرأ" التي اختصرت "لبنان الرسالةط، كما وردت في القرآن الكريم، وبعبارة "في البدء كانت الكلمة"، كما وردت في الانجيل المقدس. ولعل هذا التوارد، الذي يلخص المنحى الروحي والمناقبي لدور لبنان في دور الكتاب، هو ما يعطي هذه المناسبة اهميتها البالغة وسط الاعاصير العاتية التي تعصف بأمة العرب ومعظم اوطانها.
من هذا المنظور يتراءى للمجلس الاستشاري الذي ساهم في وضع هذا التقرير عن تحديات امن الانسان في البلدان العربية، بعد مجهود فكري وبحثي واستطلاعات الرأي خصوصا بين الاجيال الجديدة ان هذا التقرير - الكتاب يسهم في دور هذه الاجيال في صناعة المستقبل الواعد. وهو حصيلة توافق حيوي بين اعضاء المجلس الاستشاري حول ما ورد فيه من تقويم للاوضاع وربطها بالاحداث، ومن مقترحات لتعزيز قدرة الدولة في الوطن العربي والمجتمع على استيلاد تجسير مطلوب كاد ان يكون مغيبا".
وقال: "اذن، نحن اليوم لا نشهر تقريرا بقدر ما نمهد للاسراع في عملية التجسير حتى لا يبقى هناك اي انطباع بفجوة قائمة بين الحكم والمجتمع. وهذا لن يحصل بالقدر المطلوب والمرغوب الا اذا رسخنا مفهوم المواطنة عند الانسان العربي. فالمواطنة توفر الاحتفال بالتنوع وترفض التعددية، وتمنح المواطن المناعة ضد الطائفية والقبلية والعشائرية والمذهبية والعرقية بقدر ما تمنحه من حقوق، وبالتالي ترسخ الوحدة الوطنية وتحول علاقة المواطن بالدولة الى علاقة مباشرة بدون وساطات موروثة وتقليدية، وتجعل منه مساهما في القرارات المصيرية للامة وللاوطان المكونة لها، وبالتالي ترسخ الاسس الضامنة لامنه وامانه".
اضاف: "نشير الى هذا التشخيص لانه لم يعد جائزا في ظل المستجدات الحاصلة بتسارع غير مسبوق والتحديات التي باغتتنا من دون ان نكون مهيئين للاستجابة لها. لم يعد جائزا ان نكون عرضة للمباغتات لانها تزعزع ثوابتنا وبالتالي امننا. يستتبع ذلك ان المستجدات تتلخص في امور وقضايا طارئة وجديدة. لم تكن عندنا التجارب لنواجهها، ليس فقط على المستوى العربي، بل حتى على المستوى الدولي. امام هذا الوضع الشديد التعقيد، لا بد من ادارته حتى لا يكون التعقيد محبطا بل دافعا للتقدم. لانه اذا عجزنا عن ادارة التعقيدات فسوف نواجه حتمية ادارة الفوضى، وهذا ما يهدد الامن والامان لشعوب الامة".
واردف: "من هنا نجاعة هذا التقرير - الكتاب بانه استوعب ما يهدد الامن الوطني والقومي، من جهة، وما يهدد امن الانسان، من جهة اخرى. وتهديدات امنه الانسان لا تكون فقط نتيجة جرائم ترتكب فحسب، بل ايضا نتيجة شيوع ادوات القمع والتهميش لانها تؤدي الى شعور بالاذلال الذي، بدوره، يقارب مفارقة الحياة. والاذلال اذا لم يصحح فورا يؤول اما الى استقالة المواطن من السعي الى الافضل او الى تمرده.
لذلك، فان المطلوب من اجل استقامة المواطنة ان تغلب في مؤسساتنا وجامعاتنا ومدارسنا ومجتمعاتنا المدنية والاهلية عقلانية الاعصاب على غرائزية العصبيات".
وقال: "كما ورد في هذا التقرير - الكتاب ان مفهوم العروبة في وضع النظام القطري الذي يربط بين الاوطان العربية في هذه الحالة اعضاء جامعة الدول العربية ان قانونها السائد هو احترام متبادل لسيادة الدول القانوني. ولكن اذا كان هذا ينطوي على عدم التدخل، فانه يجب الا يحول دون تعزيز التداخل بين شعوب الامة العربية. هذا التداخل التلقائي الدافىء هو الذي يشكل ثروة تجعل التنسيق بين الاوطان والدول العربية ملزما عندما تتخذ القرارات وتعالج المعضلات. لان معادلة الدول المتمعة بالاستقلال الناجز لا تعني استقلال الاوطان العربية بعضها عن البعض لان ما يجمعها اكثر بكثير مما يفرق بينها، ويجب ان يبقى هذا التداخل قائما حتى تستطيع ان تعالج التحديات الصحية والبيئية وتغير المناخ وانتشار الاوبئة، وانعدام الامن الغذائي، وكل ما يعطل التنمية المستدامة ويهدد حقوق الانسان ويهمش فرص تمكين المراة داخل الاوطان العربية وعلى الصعيد العربي العام.
هذا يعني ان علينا اعادة النظر في هيكلية جامعة الدول العربية بما يمكنها من ان توحي وتعرف بانها جامعة الدول العربية وليست مسؤولة فحسب تجاه الحكومات العربية، وبالتالي تصبح آلية التجسير بين المجتمع والحكم".
وتابع: "لقد وجدنا ان التفكيك بين الاوطان العربية من شأنه بشكل مباشر او غير مباشر ان يؤول الى التفتيت داخلها. وهذه المآسي شهدناها في عراقنا الحبيب وفي الصومال والى حد ما في السودان وربما الى حد اقل في عدد اخر من دولنا العربية ، ومنها لبنان. ولكن حيث ان التفكك على المستوى العربي العام اصاب ما شكل لنا جميعا وما زال وسيبقى، التزاما قوميا ووطنيا وانسانيا ووجدانيا لتحرير فلسطين وعودة القدس اليها.
والجدير بالذكر ان حكومة اسرائيل تمعن في اعلان حقها في تهويد القدس وكأن لا علاقة للعرب بها، لا تاريخيا، ولا حاضرا، ولا مستقبلا، ولا قانونيا، ولا شرعيا، وكانه لا توجد قرارات صادرة عن الامم المتحدة في هذا المجال. هذا آخر تعبير عن تهديد امن الشعب الفلسطيني، وامن دول الجوار وامن المناعة العربية اجمالا، كتجل لعنصرية مضمرة في الفكر المؤسس لدولة اسرائيل. ولن يتحقق السلام الدائم الا بانهاء احتلال اسرائيل للاراضي التي استولت عليها في العام 1967 واقامة الدولة الفلسطينية كما ورد في التقرير - الكتاب.ولكن هذا قليل من كثير لاستفزاز ضمير المجتمع الدولي، مرة اخرى. وهو يفسر الحاجة الى تصور ناجع ومستقطب للمقاومة ينطوي على مقومات الاجماع، في مواجهة عدوان لا يكتفي بتهديد امننا القومي والوطني بل يسعى بشكل دؤوب الى اخراجنا من التاريخ ومن قدرتنا على صناعة مستقبلنا".
وقال : "هناك فرصة متاحة توفرها الادارة الاميركية الجديدة ورئيسها باراك اوباما لبلورة خطاب عربي واحد لاقناعه، وهو المنفتح على الحوار من خلال ما قد يعتبر منطقيا حسن نية اظهرها في طلبه تجميد المستوطنات. ومتابعة الحوار لا تكون باستئناف المباحثات مع اسرائيل في ظل وضع معطوب في فلسطين بحيث تمعن اسرائيل في اصرارها على عدم الاعتراف بكونها محتلة، وبالتالي تتصرف في الاراضي المحتلة كأنها مالكة. وهذا بالطبع خرق لميثاق الامم المتحدة وقراراتها وشرعيتها، الى حد كبير. وبالتالي ، فإن توظيف الحوار ينطوي على اجابة واضحة وصريحة وغير ملتبسة على بادرة حسن النية، بان المطلوب ليس تجميد المستوطنات بل تفكيكها. وعندما تقول اسرائيل للعالم انها مستعدة للقيام بتنازلات أليمة، فجواب الخطاب العربي يجب ان يختصر بأن التنازل يكون عما تمتلك لا عما تحتل بالقوة".
واردف :"من هنا تركيز هذا التقرير على مقتضيات الامن للانسان وللوطن وللامة.
امن الانسان العربي شرط مسبق لتوفير امانة، بمعنى ان الامان هو ان يتمتع بحقوقه وتلبية حاجاته، لا كمنحة بل كحق من تعليم وصحة. كما ان امانة ايضا ان توفر له المناعة الصحية خاصة في اوضاع انتشار الامراض والازمة العالمية للغذاء، وان يتم تحسين البيئة واستيعاب التحديات المستجدة من تغير المناخ والاحترار العالمي. كما ان لا امان بدون الامن، ولا امن للانسان بدون الامن للوطن. كذلك الامر لا امان للانسان الا اذا استوعب نظام الحكم والمجتمعات المدنية في البلدان العربية الاخطار الجديدة التي اشرنا اليها مثل تغير المناخ والامراض السريعة الانتشار".
اضاف: "اذا لم يتسلح الانسان العربي بحق المساءلة فقد يصبح عرضة للاستباحة. وهذا يتطلب ضرورة فصل السلطات القانونية والتشريعية والقضائية حتى تبقى للانسان العربي مرجعية حاضنة وضامنة لحقوقه. واخيرا هناك ثوابت نحرص عليها لانها ثوابت ملتزمة الامن والامان تؤكد ربط الحرية بالمساواة بهدف انجاز العدالة. ولكن ما يبقى هو تأكيد التزام هذه الثوابت. ما يوفره هذا التقرير الكتاب هو مساهمة رئيسية في تأهيل نظام الحكم والمجتمعات في البلدان العربية لاستيعاب المتغيرات والتعرف والتكيف مع مقتضياتها حتى نتمكن من ادارة شؤوننا بما يوفر شروط الامن للانسان والامان له، حاضرا ومستقبلا، ويخرجه من قلق النزاعات القائمة والكثير من مآسيها وتداعياتها. هذا بدوره يعني ان العلاقة الجدلية بين الثوابت والمتغيرات تحمي الثوابت وتجعلها بمنأى عن التحول الى جزم "دوغما". فاذا تحجرت اصبحت عاجزة عن التكيف. كما ان التكيف اذ انفصل عن خدمة الثوابت واصبح بديلا منها ابتعدت المتغيرات عن خدمة الثوابت، ولم تعد الثوابت متطورة ونامية ومحرضة على النهضة".
واشار الى "ان هذا التقرير - الكتاب هو للناس والحكومات والمجتمعات. وهو يبغي تعزيز الانارة واطفاء نزعات الاثارة. هو عنصر تعبئة لان الذين شاركوا فيه جعلوا من الانسان العربي المحور لالتزامهم وهمومهم واهتماماتهم ، ولان الذين ساهموا في مضمونه ومقترحاته اكدوا حرمة الكلمة، ومن اشرفوا على اشهاره ارادوا اعلاء كرامة الانسان، ولان برنامج الامم المتحدة الانمائي كان بدوره مسهلا لنشره ودعمه ووفر استقلالية التحليل المنهجي ادراكا لثراء المعرفة المستجدة وحاجة الوطن العربي لادراكها. فكانت التسهيلات التي وفرها البرنامج دعما لمشروع نهضوي هو جزء مكونه لدوره، وبالتالي ليس تطبيقا لميثاق الامم المتحدة فحسب. هذا الميثاق الذي استهل اولى بنوده بعبارة "نحن شعوب العالم".
وختم: "نحن بدورنا الشعب العربي نقول للمدير العام هيلين كلارك وللامين العام المساعد امة العليم السوسرة شكرا لالتزامكم، شكرا لتسهيلاتكم التي وفرتها ادارتكم. ولدولة الرئيس السنيورة وزملائه ، شكرا لرعايتكم واسهامكم الفكري والسياسي بما يثري ادبيات هذا التقرير- الكتاب في عاصمة الكتاب هذا العام. وفي كل عام. ونتمنى في خضم ترجمة المقترحات الواردة في هذا التقرير - الكتاب ان يكون الابداع اللبناني في طليعة المساهمين في ضمان الامن للانسان العربي من خلال مشاركات لبنان السابقة، وما هو مأمول منه حاضرا ومستقبلا، في صيرورة نهضة عربية واعدة".
السفير الصلح
والقى الامين العام المساعد لجامعة الدول العربية السفير عبدالرحمن الصلح كلمة قال فيها: "أود بداية أن أعبر لكم عن سعادتنا بالمشاركة في إطلاق تقرير التنمية البشرية الخامس للدول العربية، خصوصا انه تربطنا ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي علاقات عمل وثيقة امتدت لعقود طويلة أثمرت عددا واسعا من البرامج والمشروعات، شكلت إضافات هامة لتحقيق التقدم والتنمية في الدول العربية، واننا لا نزال نحرص على توثيق هذا التعاون وتعزيزه بما يحقق مزيدا من التقدم في دول المنطقة".
اضاف: "كما أود أن اؤكد ان السمة التي وسمت التقارير الإقليمية العربية التي صدرت حتى الآن، كانت مصدرا لإثارة الجدال أكثر من إسهامها في أن تكون رافدا من روافد التنمية في الدول الأعضاء. وقد أوضحنا ذلك مند إطلاق التقرير الأول للتنمية البشرية الذي قمنا بإطلاقه في مقر الأمانة العامة لجامعة الجول العربية في يوليو 2002، والمؤتمر العربي الموسع الذي نظمته جامعة الدول العربية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أعقاب إطلاق التقرير، الذي شارك فيه ممثلون للحكومات العربية والمنظمات الأهلية، بحيث خلص هذا المؤتمر والمؤتمرات التي تلته، الى تأكيد أهمية السعي الى تطوير مفهوم التنمية البشرية.
ولا يزال اهتمام جامعة الدول العربية ينصب على أهمية إصدار تقرير اقليمي، يكون قادرا على القاء الضوء وتحليل قضايا التنمية البشرية الأكثر حيوية والتي تحتل الأولوية الأساسية في اهتمامات الشعوب العربية. بإزاء ذلك، لا يسعنا إخفاء رأينا في التقارير الإقليمية العربية السابقة التي صدرت ولم تلتزم تماما المناهج العلمية لأدوات التحليل والنقد في مقاربات التنمية ومساراتها في دول المنطقة".
واردف: "إلا اننا نلاحظ ان تقرير التنميةالبشرية العربي الذي سيتم إطلاقه اليوم، قد لجأ الى التعميم والقفز الى النتائج من دون تحليل معمق، وإطلاق الأحكام من دون سند، وعلى سبيل المثال، ما أشار اليه أن غالبية البلدان العربية لم تنجح في تحقيق العدالة في توزيع الثروة واحترام التنوع الثقافي، وهذا موقف لم يأخذ بالحقائق الموضوعية، ولا يسعني الا ان استشهد بالتقرير الصادر عن البنك الدولي عام 2004، الذي لخص فيه السمات الأساسية للعقود الإجتماعية العربية، في انها فضلت إعادة توزيع الدخول والمساواة في السياسات الإقتصادية والإجتماعية، وتوفير الرفاهية والخدمات، ورؤية الساحة السياسية كتعبير عن الوحدة العضوية للأمة، أكثر من كونها موضوعا للخلافات السياسيةأو إطارا يجمع بين الخيارات المتعارضة.
كما أشار التقرير ذاته الى ان العقود الإجتماعية في الدول العربية حققت على الرغم مما اعتراها من مشكلات وانتكاسات مختلفة، مستويات غير مسبوقة من النمو الإقتصادي والتنمية الإجتماعية، كما كان العقد الإجتماعي يعنى كذلك بانخفاض مستويات الفقر وانخفاض عدم المساواة في الدخول،حيث حققت هذه السياسات عائدا كبيرا على المستوى الإجتماعي الى جانب حدوث انخفاض كبير في الوفيات ومعدلات الأمية وارتفاع متوسط العمر المتوقع ومعدلات الإلتحاق بالمدارس".
وتابع: "خلافا لما ورد في تقرير التنمية البشرية للدول العربية الذي يتم إطلاقه اليوم، والذي أشار الى افتقار فاعلية العقد الإجتماعي في البلدان العربية وزيادة معدلات عدم المساواة فيها، كان يقفز الى نتائج من دون تحليل كاف، بحيث أشار الى ان من الأمور المهمة التي حققتها العقود الإجتماعية العربية هو ان فئات كبيرة من السكان استفادت من آليات العقد العربي القائمة على إعادة توزيع الدخول.
ومن بين القضايا التي أثارت استغرابنا ان التقرير أشار الى افتقار البلدان العربية الى سياسات تنموية تتركز على الإنسان، في حين ان تقرير التنمية البشرية الدولي أشار الى ان سبع دول عربية قد حققت مستوى مرتفعا في التنمية البشرية، كما ان إحدى عشر دولة عربية حققت مستوى متوسطا من هذه التنمية، وبقياس ذلك بأداء التنمية البشرية في العالم، فإن هذا يعد أداء هاما مقارنة ببقية أقاليم الدول النامية. ما يدل على ان مستوى أداء الدول العربية على صعيد التنمية البشرية مرض على نحو عام، وإن كان لا يرقى الى آمالنا حيث نطمح لأن تكون مجموع الدول العربية من بين الدول التي تصل الى مستوى مرتفع في التنمية البشرية".
وقال: "وهنا يؤسفنا القول ان التقرير قد حفل بالقفز فوق النتائج والواقع حيث أشار الى انتشار ظاهرة الإتجدار بالبشر في البلدان العربية، وان الدولة في بعض الأحيان تصبح مصدرا للأشخاص الذين يتم الإتجار بهم، وكل الأوصاف الأخرى التي تبعت هذه الأحكام القاسية بلا دليل أو برهان، وكذلك ما يتعلق باستقلالية القضاء في البلدان العربية كلها، وعدم التزام الدساتير العربية المعايير الدولية، وغيرها من التعميمات، هو أمر مخل بقواعد المنهج العلمي في التحليل، وهو أمر نربأ بأن يكون مدرجا في تقرير التنمية البشرية".
واشار "الى أمر هام غير قابل للتأويل، لأنه يرتبط على نحو وثيق بقضية ظلت تمثل في الوعي العام العربي جوهر كرامته، وهي مسألة لا يمكن القبول بها تحت أي ظرف من الظروف، فما أشار اليه التقرير من ان حركة التحرر الوطني الفلسطيني تجند الأطفال، متطوعين أو مرغمين، لأداء ادوار اسنادية في كفاحها ضد الإحتلال، هو أمر لا تعوزه الدقة العلمية فحسب، بل يتنافى مع الذوق العام، ولم يسبق لأي تقرير صدر عن الأمم المتحدة او سواها ان ألصق هذه الفرية بحركةالتحرر الوطني الفلسطيني. ومن عيوب هذا التقرير ان هذه الإشارةالسيئة كانت السابقة الأولى في التقارير الدولية التي تجرأت على هذا القول بأن حركة التحرر الوطني الفلسطيني جندت أطفالا، وهذا انتهاك صارخ لكرامة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية".
وقال: "انني إذ أعبر هنا عن عميق الإستياء الى تلك الإشارة التي تفتقر الى أي سند كان، والتي تتضمن الإيحاء بأن اعتداءات الإحتلال الإسرائيلي الصارخة على الأطفال الفلسطينيين، هي بسبب كونهم طرفا في المقاومة الوطنيةالمسلحة ضد الإحتلال، في حين انه لم تتم الإشارة الى ما ورد في عدد من التقارير عن عدم تردد الجنود الإسرائيليين في استخدام مواطنين فلسطينيين دروعا بشرية خلال الحرب على غزة، كما نجد التقرير يقلل بل يتجاهل تأثير الإحتلال الإسرائيلي على مسيرة التنمية في المنطقة العربية وعلى الأمن البشري لسكانها، ناهيك بتقليل التقرير من أهمية تأثير التدخلات الأجنبية في الأمن البشري لمواطني العراق والسودان والصومال".
وختم : "ختاما، أرجو أن يتسع صدر الجميع لرأينا، وبكل صراحة ان التقرير لم يتردد في إعادة رصد السلبيات التي نعرفها جميعها، وأغفل وضع البدائل التي تسهم في تقدم دول المنطقة، كما أغفل وبشكل كبير الإشارة الى الإنجازات والنقاط المضيئة المختلفة التي تدعو بالتأكيد الى نظرة أكثر تفاؤلا لمستقبل التنمية في الدول العربية.
إننا لا نزال وسنظل، نؤمن بأن منهج التنمية البشرية ومقارباته ستظل هي الخيار الأكثر سلامة لتحقيق التقدم والتنمية المنشودة. وإذا كان الهدف الرئيسي من التقرير هو إلقاء الضوء على الأمن الإنساني العربي وربط بالتنمية البشرية، فهو أمر يستحق المناقشة فعلا، والمهم ان يتم في إطار الإحصاءات والبيانات والأدلة الواقعية والعلمية، التي نود ان تنعكس بشكل علمي دقيق وموضوعي في هذا التقرير".
الرئيس السنيورة
ثم ألقى الرئيس السنيورة كلمة جاء فيها: "أود، في بداية كلامي، أن اعبر عن سروري واعتزازي لاختياركم بيروت والسرايا الحكومية خصوصا، والموجودة في قلب العاصمة بيروت مكانا لإطلاق تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009 والنقاش حوله بعنوان: "تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية". هذا الحوارُ الذي سينطلقُ من هذه الحاضرة ليشملَ مُدُناً عربيةً أخرى وتُشاركُ فيه نُخْبةٌ من المثقفين العرب وأهل السياسة وصناعة القرار وناشطون في المجتمع الأهلي. فبيروتُ هي المدينةُ العربيةُ التي لا تتهيَّبُ أن يُطْلَقَ هذا التقريرُ منها، خدمةً لحرية الإنسان العربي، وخدمة للثقافة المدنية العربية، مع الإشارة هنا إلى أنه لا علاقة لذلك بمدى اتفاقِنا أو اختلافِنا مع عدد من مندرَجاته أو الآراء والأفكار الواردة فيه. فمِيزةُ لبنانَ كانت وستبقى في قدرتِه على أن يبقى تجربةً رائدةً في الانفتاح الفكري والثقافي وواحةً دائمةً لإطلاق الحوار والنقاش وقَبول الرأي الأخر. هذا هو اختيار لبنان وهذا دورُهُ الذي دفع ثمناً غالياً للمحافظةِ عليه وهو حريصٌ على التمسك به وسيبقى كذلك، بإذن الله".
وقال: "إن اختياركم بيروت والسرايا الحكومية تحديدا لانطلاق الحوار حول هذا الحدث الهام، يشكل، بالنسبة الينا، رمزيةً بارزةً مكثَّفةً لأكثر من سبب. بيد أنّ السببَ الرئيس هو أنّ هذا الموقعَ الذي له الطابعُ التراثيُّ والتاريخيُ شكل في عودته بعد ترميمه في قلب بيروت جزءا مهما من التفكير والتقدير في شأن الحاضر العربي، والمستقبل العربي. فبيروت المهمومةُ بالانتماء والالتزام العربيَّين، لا تستطيع بل ولا تقبل إلا أن تبقى على ثوابتها وأخلاقها ودورها.
لقد دفع لبنان منذ أواخر الستينات أَثْمانَ التداعي العربي والصراع الإقليمي والدولي، وثمناً لجانبٍ من جوانب تنوعِه ودقةِ أَوضاعهِ الداخلية وحساسيتِها الفائقة. لكنّ الانتماءَ ليس ميزاتٍ ومكاسبَ وحسْب. ونحن فخورون بهذا الانتماء أيا تكن أعباؤه. وما تشهدونه اليوم في السرايا هو أحدُ مظاهر ذلك الانتماء ومسؤولياته.
إنّ أهميةَ هذا الموقِع الذي تُطْلِقونَ منه حوارَكُم هو أنه موقعٌ بُنيَ على الحوار والتلاقي وتداول السلطة، فهو بيتُ جميعِ اللبنانيين وأنا من موقعي ومن هذا المنبر ردّدْتُ عَشَراتِ المرات الجُمْلةَ التي تكادُ تكونُ محطَّ كلامٍ لي وهي أنني أؤمنُ بكلمةِ وسياسة التلاقي والحوار والتشاور ولا أؤمنُ بسياسة وكلمة الطلاق. ففي أصعَبِ الأَوقاتِ كان الحوارُ والاعترافُ بالآخَرِ هو نهجُنا وخَطُّنا ومَسارُنا. هكذا كان وهكذا سيبقى.
لذلك أن يكون الحوار في شأن الحاضر العربي ومُشكلاته، والمستقبل العربي وطموحاتِه منطلقه هذه السرايا الحكومية هو شيء كبير نقدره أكبر تقدير".
واضاف: "يقارب هذا التقرير مسألة التحديات التي يتعرض لها أمن الإنسان العربي، وهو الحلقةُ الخامسةُ في سلسلة تقارير التنمية الإنسانية العربية التي يرعاها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ويضعُها باحثون عربٌ ودوليون، من وجهة نظرٍ مستقبلية. ويقاربُ هذا التقريرُ الأَمْنَ بمفهومه العريض. أي الأمن الذي يؤدّي إلى تعزيز فُرَص التنمية الإنسانية، ويَحُثُّ الدولَ على الاستفادة من البيئةِ والحفاظ عليها، والعمل على الاستفادة من التنوع، ببلوغ أعلى درجات الأمن بأشكاله كافة ، وأخيرا وليس آخرا تفادي مصادر الخلاف".
وتابع: "لقد توقفت بإمعان، أيها الإخوة والأخوات، أمام المقولة الأساسية التي أطلقها التقرير والتي تقول إنّ "على الحكومات العربية والمجتمع المدني في تلك البلدان، إضافة إلى المجتمع الدولي أن تعيد محورة سياساتها حول صون الجوهر الحيوي لحياة الإنسان والحفاظ عليه لعلها بذلك تنشئُ الحدَّ الأدنى من الظروف المؤاتية والشروط التي تتيح لمسيرة التنمية الإنسانية أن تنطلق".
واطلعت في الأوراق الخلفية على النظريات والفرضيات المقترحة والتي جاء فيها: "إن الذي يهدد امن الإنسان العربي يتجاوز مسألة النزاعات المسلَّحة، ليشمل قضايا أخرى أساسية منها التدهور في البيئة والوضع الهش لعدد كبير من الفئات الاجتماعية والتقلب الاقتصادي الناتج من الاعتماد المفرط على النفط والأنظمة الصحية الضعيفة وعدم خضوع الأجهزة الأمنية للمساءلة وأخيراً- بحسب الأوراق الخلفية- يأتي الاحتلالُ والنزاعاتُ المسلَّحةُ والتدخُّلُ العسكري".
وقال: "إن ما هو وارد في هذا السياق بالغ الأهمية والفرادة وبخاصةٍ أنه نِتاجُ بحثِ وعملِ العشرات من خيرة مثقفينا ومفكرينا وأنا لا أملِكُ نَقْضَ هذا التوجُّه الفكري الذي ينطلق منه التقرير، بل أودُّ أن أُضيفَ أنّ مسألة المقاربة التي نعالج بها واقعَنا العربي بالغةُ التعقيد.
فلقد دلّت تجربة عالمنا العربي على ارتباط المشكلات والتحديات المختلفة للأمن بعضِها ببعض. وكنتُ قد قاربْتُها بإسهابٍ في مداخلتي في اجتماع القمة الاقتصادية العربية الأولى التي عقدت في الكويت في مطلع هذا العام، بحيث فصلت اعتقادي الراسخ بأن الاحتلال ووجود كيان إسرائيلي استيطاني في قلب وطننا العربي طبع تاريخه الحديث وَحَدَّ من قدرته على التلاؤم والتكيف مع متغيرات العصر ومتطلباته. فلا نموَّ ولا تنميةَ ولا تقدمَ ولا تطوُّرَ ولا رفاهَ بالقدْر الذي نحتاجه، طالما استمرَّ الكيانُ الاستيطانيُّ الإسرائيلي في فَرْض هذا الصراع وبشكل متصاعد منذ أكثرِ من ستّين عاماً. حروبٌ وهجماتٌ واحتلالاتٌ، واستعمارٌ استيطاني، شرَّد الملايين، وخَرَّب العمران، وأعاقَ البناءَ والنمو والتلاؤم والاستقرارَ في عالمنا العربي في العقود الستة الماضية. إن انعدام الاستقرار في بلداننا العربية المتمثل في الاحتلال العسكري والنزاعات المسلحة في الأراضي الفلسطينية وفي لبنان، ولكن أيضاً في السودان والصومال والعراق هو أمر تطرق إليه التقرير كأحد الأسباب الرئيسية لضعف مقومات الأمن لدى الإنسان العربي".
واضاف: "إنّ إنهاءَ الاحتلال، وتوفيرَ الظروف المؤاتية لإيجاد حل شامل ونهائي وعادل لمعاناة الشعب الفلسطيني كما العملُ على إنهاء النزاعات المسلحة في البلدان العربية الأخرى، هي شروط أساسية وغير قابلة للمساومة، إذا ما أردنا فعلاً أن نحقق أمن إنساننا العربي بمفهومه العريض، كما يتناوله التقرير".
وتابع: "لقد تركّز الاهتمامُ الإعلاميُّ لغالبية الأنظمة العربية ونُخَبها على مدى عقود طويلة ماضية على موضوع التحرير واستعادة الأرض. بل في الحقيقة إنّ الإمساك بالسلطة السياسية كان يتم تحت شعار العمل من اجل تحرير الأرض المغتصَبة. لكنّ النتيجةَ التي توصلْنا إليها بعد ستة عقودٍ أو أكثر أنّ هذا الجَهدَ العربي المضني لم يؤد إلى تحرير فلسطين واستعادة الأرض، وأطاح بلدانا عربية كثيرة وفي مراحل متعددة ماضية بجزء كبير مما كان يمكن تحقيقه على صعيد التنمية الإنسانية وهدد أمْنَ الإنسان العربي في كل المستويات البيئية والاقتصادية والثقافية والأمنية.
وأود أن أُسارعَ إلى القول إنّ كلامي هذا لا يعني التخلّي عن استعادة الأرض المحتلة وتحرير فلسطين لا، لا سمح الله، وعلى العكس من ذلك. بل إنّ كلامي يعني بكل بساطة ضرورة إعادة النظر وبشكل جذري بالأساليب والطرق التي كانت معتمدةً في السابق في العمل لاستعادة الأرض وفي العمل لتحصين امن المواطن العربي موضوع تقريركم، اقول هذا مع إقراري أنه من دون النجاح في الوصول إلى حل لأزمة الصراع العربي- الإسرائيلي حلا نهائيا وعادلا فلن نتمكنَّ من حماية الأمن الإنساني العربي. ليس لأننا لا نريد بل لأنّ أمْنَ المواطن العربي بات مرتبطاً بحلِّ هذه المسألة الجَوهريةِ التي يشكِّلُ استمرارُها من دون حلٍ استيلاداً لمشكلاتٍ وأَزَماتٍ أُخرى كالإرهاب والعنف وتصاعدهما، ومنه ما يتولد عن الإحساس بالمهانة والقصور والتقصير والعجز عن حل المسألة الأساسية".
وتابع: "لقد قلت عمدا ان هذا الشرط هو شرط أساسي، ولكني لم أقل إنه وحده كافٍ أو أنّ استمرار عدم تحققه يُعْفينا من مسؤوليتنا في بذل جهود مضاعفة لتحقيق التنمية لمجتمعاتنا وإنساننا العربي. فالحقيقةُ التي لا بُدَّ لنا من الاعتراف بها أنه بالرغم من التداعيات السلبية والمدمِّرة على الاقتصاد والإنسان والثقافة التي تسبّب بها استمرارُ الاحتلال والحروب المدمِّرة التي شَنَّها العدو الإسرائيلي على بلداننا العربية على مدى العقود الماضية، فإننا نتحمل أيضاً جزءاً وافراً من القصور والتقصير والتناحر والصراعات الداخلية وفي محصلة الأمر التأخُّر الذي وَقَعْنا فيه.
فمواجهةُ الاحتلال لا يجوز أن تكون مانعاً أو حائلاً دون توجيه الطاقات وبذل الجهود من اجل تطوير مجتمع مدني عصري منفتح تتعزز فيه مناخات الحرية، وتسودُ فيه سلطةُ الدولة، وينتظمُ فيه عملُ المؤسسات وحكم القانون. إنّ المقولةَ التي سادت على مدى عقودٍ طويلةٍ أَنه "لا صوتَ يعلو فوقَ صَوتِ المعركة" دفعت الكثيرَ منا إلى قبول الكثير من التجاوزات التي كانت ترتكب باسم الأولوية للمعركة الأساس. هذه التجاوزات للكثير من المبادئ والقيم التي تتوق إليها مجتمعاتنا العربية لم يَعُدْ بالإمكان التغاضي عنها وعن تداعياتها المرة. فالأمر أصبح يستحق منا التنبه والعمل على المراجعة والتركيز على متطلبات المستقبل توصلاً إلى تحقيق التنمية البشرية لأجيالنا الصاعدة والسعي إلى تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي وتوجيه الموارد المتاحة الوجهة الصحيحة والتأكيد على تعزيز الأمن والاستقرار واحترام سيادة القانون ومنع التعديات والتجاوزات وانتهاك الحريات بأشكالها كافة والعمل بتصميم على تعزيز مناخات الحريات. نقول ذلك وعلى الأخص طالما أن المعركة مع العدو الصهيوني مازالت قائمة وهي في جانب منها صراع حضاري. الحقيقة المرة ان تلك المقولة التي استند إليها العديد على اختلاف مواقفهم ومسؤولياتهم في تبرير التصرفات والتجاوزات، قد أثبتت فشلها الذريع، لاسيما وان المعركة مع العدو الإسرائيلي لم تربح ولا استطعنا أن نحقق التنمية والرفاه لشعوبنا".
وقال: "الحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة لنا جميعا أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي يجب أن يشكل حافزا لنا بدلا من أن يكون عائقا، تعلق بحجته الحقوق، وتنتهك الحرياتُ، وتُغَذَّى الصراعاتُ الطائفيةُ والمذهبيةُ ويؤجَّلُ الإصلاحُ السياسي والاقتصادي والاجتماعي وَتُعَطَّلُ المشاركةُ الفاعلةُ للمجتمع المدني في الحياة السياسية العربية. لنتصارح ولنقُلْها بوضوح إنّ الانتصارَ الحقيقيَّ لا يمكن أن يتحقق ويكون كاملاً ومُستداماً إلاّ إذا تحقق أيضاً بأبعاده الإنسانية والثقافية والفكرية. فما هو النموذج الثقافي والفكري والإنساني الذي تقدِّمُهُ مجتمعاتُنا العربيةُ في مواجهة نماذجَ قائمة على رفض التنوع والتأكيد على الفكرة الواحدة، وعدم احترام القانون وسلطة الدولة العادلة والمنفتحة وعدم القبول بالرأي الآخر.
ومن ناحية أخرى ، لقد أدّى نموذج الأنظمة المتسلطة والقامعة لشعوبها والحارمة مواطنيها من حقوقهم، إلى تغذية التشدد والانغلاق والغضب وهو ما غَذّى بدوره التطرفَ والإرهاب، بجميع أشكاله بما فيها الديني والسياسي والثقافي والفكري، وهو كان وما يزال، يشكل عائقاً قوياً في منع عالمنا العربي من تحقيق النهضة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وهي نهضةٌ تحتاجُها شعوبُنا لتلحق ولو متأخرةً بالعصر ومتطلباته. عصر المعرفة والعلم والإنتاج وتحقيق القيمة المضافة. عصر التنافس والتكامل الاقتصادي وحرية حركة انتقال الأشخاص والبضائع. عصر نابوكو وأنابيب الغاز والنفط العابر للقارات وعصر الشبكة الالكترونية وشبكات الربط الكهربائي الإقليمية، وشبكات الطرق وسكك الحديد العابرة للحدود، وخطوط النقل البحري والأجواء المفتوحة.
هذا هو الأمن بمعناه الواسع. هذا ما نحتاجه وهذا ما لم نحققه حتى الآن ولن نحققه إذا ما ظلّ الخلاف يحل محل الحوار، والخصام يحل محل التلاؤم، والتعطيل يحل محلّ التكامل، والاستبداد محلّ التعددية السياسية والديمقراطية والمجتمعات المفتوحة والقوية والآمنة بالحرية والعدالة".
واضاف: "إن لدينا، من جهة، تلك التحديات الاستراتيجية والسياسية الكبرى على مستوى الدول والكيانات، ولدينا، من جهة ثانية، التحديات الشاملة والعامة على مستوى دولنا العربية.
إن العمل العربي المشترك وبأبعاده كافة، السياسية والاقتصادية والتعليمية والفكرية هو السبيل الأوحد لإدارة الموارد المتاحة لنا، بمفهومها الواسع، وصونها وتنميتها وهو أمر ضروري في عمليات التقدم التي قصّرنا في الكثير من مجالاتها، وهي السبيلُ الأوحدُ إلى تحقيق الأمن لإنساننا العربي، بمفهومه الواسع والشامل.
في هذا الإطار فقد قام لبنان حديثاً بدور صغير ولكن مهم على صعيد العمل العربي المشترك من خلال العمل على تحقيق خطوة هامة على صعيد إتمام استجرار الكهرباء من مصر ضمن خط الربط السباعي، والعمل على استجرار الغاز قريباً من مصر بإذن الله، وهي خطوات صغيرة ولكن ثابتة وقَيِّمة على درب تعاون عربي جدي أكثر تلاؤماً مع حاجات شعوبنا وهي في الحقيقة أول خطوة تتم بين أربع دول عربية خارج إطار مجموعة دول التعاون الخليجي. وهو مسار نتمنى أن يتعمم ويتوسع على أكثر من صعيد وأكثر من منطقة عربية لما فيه مصلحة ومستقبل إنساننا العربي وتقدمه.
لقد أردتُ بحكم الانتماء، وبحكم موضوع تقرير التنمية الخامس أن أُقدِّمَ الاهتمام بالمسائل العربية. ومن العامّ إلى الخاصّ تأتي النقلة المنطقية إلى أمْن المواطن اللبناني والذي أساسُهُ العيش المشترك المسيحي الإسلامي وهو ركيزةُ وجود لبنان وتميزه وتألقه في دنيا العرب والعالم. وبالتالي فان عيشنا المشترك المسيحي الإسلامي، لا يمكن أن نفرط به أو نتهاون إزاء أية محاولات للمساس بثوابته ومكوِّناته. فَسِلْمُنا الأهلي أساسُ استقرارنا، واستقرارُنا أساسُ تقدمنا وتطورنا، ولهذه الأسباب عمل أعداء لبنان على ضرب أسس هذا التعايش وزعزعته، والذي أثبت رغم كل الأزمات صلابته واستمراره.
لكن ما أود التشديد عليه، هو أن تمسكنا بهذا العيش المشترك في لبنان وبلبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه لا يثنينا أو يضعف فينا الانتماء العربي، بل على العكس من ذلك، انه يتكامل معه. إذ لا تناقض بين تمسكنا بلبنانيتنا ووطنيتنا وبين أصالة عروبتنا وعمقنا الثقافي والتاريخي والجغرافي وعلاقاتنا القائمة على الاحترام المتبادل مع جميع الأشقاء العرب الأقربين والأبعدين.
لقد دفعنا في لبنان أثماناً عاليةً للحفاظ على وحدتنا وتماسكنا واستقلالنا وتمايزنا وحريتنا ونظامنا المدني والديموقراطي. ولهذه الأسباب لا يمكننا أن نبدل في أسس قيام بلدنا كلما تبدل المزاج والأهواء. بل على العكس، فان التجارب علمتنا أن الارتكاز على هذه الثوابت القائمة على متانة العيش المشترك هو أساس حمايتنا واستمرارنا بلدا مميزا".
وتابع: "أهلا وسهلا بكم مجددا في بيروت التي تدهشنا كل يوم وتذكرنا دوما بأنها إذا ما أعطيت الأمن، فهي قادرة على أن تعطي الكثير وتكون وفية لدورها التاريخي لمصلحة اللبنانيين جميعا والعالم العربية كله.
لقد جاء في سورة الإيلاف قولُهُ تعالى: "الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف". هناك إذن مرتكزان لأمن الإنسان، أيِّ إنسان: الأمن من الحاجة بالازدهار الاقتصادي، والأَمْن من تهديد الحياة الشخصية بالحرية والعدالة والنظام. فلنُواجه هذين التحديَين بالعزيمة وبالتضامُن والتعاوُن وبالانفتاح وبالاعتدال والتسامح.
عاشت بيروت موئلاً للحوار والتلاقي والتلاقح بين الأفكار والثقافات.
وبقيت بيروت منارة للحرية العربية والتقدم العربي".
16:37
الرئيس السنيورة في عشاء تكريمي له في الوردانية:
الأمانة ستكون في افضل ايد أمينة مع الرئيس سعد الحريري
علينا ألا نحشر الرئيس المكلف والتأليف يحتاج الى تأن
قال رئيس حكومة تصريف الأعمال فؤاد السنيورة ان "الجهد يبذل لتأليف الحكومة الجديدة، وهو أمر يحتاج الى طول بال وتأن، لذا علينا ألا نحشر الرئيس المكلف الشيخ سعد الحريري الذي يمضي في عملية التأليف". واكد انني "شديد الثقة والإيمان بان هذه الأمانة التي تسلمتها قبل أربعة اعوام والتي كانت من اصعب السنوات، ستكون، إن شاء الله مع الشيخ سعد الحريري، في أفضل ايد أمينة لتولي هذه المسؤولية، وسنكون الى جانبه في هذه المسؤولية".
كلام الرئيس السنيورة جاء خلال عشاء تكريمي أقامه على شرفه المدير الاقليمي لمجموعة "بنك البحر المتوسط" في الجنوب والشوف جميل بيرم في منزله في بلدة الوردانية - اقليم الخروب وحضره حشد من الوزراء والنواب الحاليين والسابقين والشخصيات تقدمهم: وزيرة التربية والتعليم العالي بهية الحريري، وزير الدولة خالد قباني، والنواب: علاء ترو، محمد الحجار وأكرم شهيب، والوزراء السابقون: بهيج طبارة وآغوب دمرجيان وجهاد أزعور، مفتي صيدا واقضيتها الشيخ سليم سوسان، نائب حاكم مصرف لبنان محمد بعاصيري، رئيس اتحاد الغرف اللبنانية محمد الزعتري، رئيس محكمة جنايات لبنان الجنوبي القاضي أكرم بعاصيري، وفاعليات رسمية واقتصادية وأمنية وعسكرية وقضائية واجتماعية ورؤساء بلديات وحشد من المدعوين، حيث كان في استقبالهم صاحب الدعوة جميل بيرم وعقيلته السيدة مريم وعقيلة المحتفى به السيدة هدى البساط السنيورة.
استهل الاحتفال بالنشيد الوطني ثم دقيقة صمت تحية لروح الرئيس الشهيد رفيق الحريري ثم كانت كلمة ترحيب من صاحب الدعوة جميل بيرم الذي عبر عن "اعتزازه وفخره بأنه أحد الذين تدرجوا وتتلمذوا على مبادىء الرئيس السنيورة ونهجه الوطني والاداري والاقتصادي".
وقال: "في اختصار، وبكل بساطة، لا داعي لأقول لماذا أكرمك، انت أكبر من تكريم. لكن لماذا اليوم في 20 تموز 2009، لثلاثة أسباب: أولها مرور أربعة اعوام على توليك رئاسة هذه الحكومة التي كانت في فترة من اصعب الفترات التي مر بها الوطن والمنطقة. وأنا أتحدث بإسمي كمواطن لبناني وكشخص أحب وطنه وقضية وطنه وأحب قضية رفيق الحريري وقضية لبنان وقضية فلسطين. بعد أربعة اعوام، كنت خير من تسلم هذه الأمانة، ان كانت قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري أو قضية لبنان. ولا نستطيع ألا نتذكر بأنه في تموز 2006 وباعتراف الجميع، كنت رئيس حكومة المقاومة السياسية بامتياز التي بفضلها وبتضافرها مع المقاومة ومع الشعب اللبناني انتصرت على اسرائيل. أوصلتنا قضيتنا الى آخر العالم".
الرئيس السنيورة
وتحدث الرئيس السنيورة فشكر لبيرم مبادرته بالتكريم، متمنيا للرئيس المكلف الشيخ سعد الحريري "التوفيق في مهمته"، وقال: "أول حكومة ألفها الرئيس الحريري كانت في 1 تشرين الثاني من عام 1992 وكان يصادف عيد ميلاده. واول حكومة انا الفتها كانت ايضا في يوم عيد ميلادي. هذا لا يعني أننا ننتظر عيد ميلاد سعد. هذه تحدث مرتين، مرتين فقط. وبالتالي الآن ان شاء الله تتم، لكن يجب أن نؤكد أنه في موضوع الحكومة الجهد يبذل، وهذا يحتاج الى طول بال وتأن وايضا الناس كلهم يتمنون على كل السياسيين ان يدعوهم وشأنهم، بالتالي الناس يستأنسون بالصيفية ويرون كم ان هناك تحسنا من خلال الإقبال على لبنان".
اضاف :"هناك عدد كبير من المؤشرات، وكلها مؤشرات طيبة تدل على الآثار الايجابية للوضع الاقتصادي. طبيعي هذا لا يعني ان ذلك يحل كل مشاكلنا الاقتصادية. هناك العديد من القضايا يجب أن نتبه لها ونبدأ بمعالجتها أو نستمر في عملية المعالجة في الفترة المقبلة. لكن بدون شك هذه الفترة يجب أن نطول بالنا ونهدأ ولا نحشر سعد الحريري. هو ماض في عمله وانا أعتقد ان هذه الامانة التي حملتها، كما تكلم جميل في فترة الاربع سنوات التي لم يسبق في تاريخ لبنان أن كانت هناك بهذا القدر فترة صعبة ومتلاحقة بصعوباتها، لكن انا شديد الثقة والايمان بان هذه الامانة عندما اسلمها الى سعد الحريري فهي ستكون، ان شاء الله، بأفضل ايد امينة لتولي هذه المسؤولية".
وختم: "حكما، سنكون الى جانب سعد الحريري في هذه المسؤولية. وان شاء الله نكون كلنا يدا واحدة، وبالتالي نقدر ان نحقق تقدما على اكثر من صعيد".
وبعد تناول العشاء، فاجأ صاحب الدعوة بيرم المحتفى به والحضور بالفنانة جاهدة وهبة التي قدمت مجموعة من الأغاني القديمة لكبار الفنانين العرب ، وعددا من أغنياتها الخاصة.
19:10
الرئيس السنيورة التقى مساعد المبعوث الأميركي الخاص
وعرض الاوضاع والعلاقات الثنائية مع سفراء إيطاليا واسبانيا ومصر
استقبل رئيس الحكومة المكلف تصريف الأعمال فؤاد السنيورة بعد ظهر اليوم في السراي الكبير، مساعد المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط فريدريك هوف ترافقه السفيرة الأميركية في لبنان ميشيل سيسون وعرض معه آخر التطورات والمستجدات بالإضافة إلى العلاقات الثنائية.
وكان الرئيس السنيورة التقى السفير الإيطالي في لبنان غبريال كيكيا، وعرض معه التطورات والعلاقات الثنائية.
كما استقبل السفير الاسباني في لبنان خوان كارلوس غافو، وعرض معه المستجدات وعلاقات بين البلدين.
كذلك التقى السفير المصري في لبنان أحمد فؤاد البديوي، وعرض معه آخر التطورات المحلية والإقليمية والعلاقات بين القاهرة وبيروت.
