الرئيس السنيورة لـ الجزيرة: رؤساء الحكومة السابقين يطالبون بتأليف هيئة مستقلة حيادية ومحترفة عبر مجلس الأمن الدولي أو/ والجامعة العربية للتحقيق في هذه الجريمة المثيرة للريبة

-A A +A
Print Friendly and PDF

أجرت قناة الجزيرة حديثا مع الرئيس فؤاد السنيورة في ما يلي نصه:

س: ينضم إلينا الآن من لبنان الرئيس فؤاد السنيورة رئيس وزراء لبنان الأسبق. سيدي الرئيس اهلا بك معنا ودعني استمع الى رأيك في انفجار الامس وما خلفه ذلك من كارثة كبيرة على المستوى الإنساني والمستوى الاقتصادي في بيروت. بداية ماذا تقول؟

ج: أولاً أشكركم على هذه الاستضافة واشكركم على هذا التعاطف مع لبنان. فلقد تعرّض لبنان وعاصمته البارحة إلى انفجار مزلزل وكبير حدث في مرفأ بيروت والذي أدى حتى الآن الى سقوط أكثر من 135 شهيداً وأكثر من 5.000 جريح، وتدمير كبير أصاب سكان العاصمة ومساكنها وأبنيتها. وهناك حوالي 300.000 من اهل بيروت والقاطنين فيها ممن أصبحوا فعليا بدون مأوى. وهم لا يستطيعوا فعليا الدخول الى بيوتهم بسبب الدمار الكبير الذي لحق بها. هذا ناهيك عن الخسارات الكبيرة التي تعرضت لها مدينة بيروت وتهشيم زجاج أبنيتها وتعرضها للأضرار الهائلة. هذا كله إضافة الى التدمير الكامل لأبنية ومنشآت مرفأ مدينة بيروت. وبالإمكان الاطلاع على الصور التي توزع عن المرفأ والأبنية القريبة منه، والتي يمكن مشاهدة الدمار، وكأنّ مدينة هيروشيما أصبحت موجودة في مدينة بيروت.

هذا ما دعانا نحن رؤساء الحكومة السابقين هذا المساء الى ان نطالب بتأليف هيئة او لجنة مستقلة وحيادية ومحترفة اما ان يؤلفها مجلس الأمن الدولي او ان يؤلفها مجلس الجامعة العربية للتحقيق في هذه الكارثة المدمرة والخطيرة بحجمها ومداها وتداعياتها المثيرة أيضاً للريبة وللشكوك. لقد استثار هذا الانفجار وهذه الفاجعة الغضب الشديد لدى اللبنانيين الذين وقعت عليهم هذه الصاعقة المزلزلة للأرض من تحت أقدامهم، ورأوا كيف أنهم وبلمحة عين خسروا أحباء وجرح منهم الكثير وتعرضوا لهذا القدر من الضرر وهذه الخسارات الهائلة التي تعرضت لها مساكنهم ومؤسساتهم، كما تعرض لها مرفأ بيروت وتعرضت ابنيته وتجهيزاته للدمار.

لماذا يريد اللبنانيون هذه اللجنة المستقلة، لأنهم فعلياً وخلال الفترة الماضية أدركوا كيف حدث ذلك الانهيار الكبير في الثقة فيما بينهم وبين العهد والحكومة اللبنانية. وهذا الانهيار في الثقة كان نتيجة ممارسات حصلت من قبل أهل السلطة على مدى سنوات عديدة. فلقد استمر الاستعصاء والتمنع عن القيام بالإصلاحات التي يحتاجها الاقتصاد اللبناني وماليته العامة ويحتاجها اللبنانيون من اجل تصويب مسيرة اقتصادهم وتصويب أوضاعهم المالية والنقدية والقطاعية والإدارية. ذلك الاستعصاء والتمنع المستمر والخطير، ومن ذلك عدم قيام الحكومة والعهد بإعطاء الرسائل الصحيحة للبنانيين بأنهما بالفعل يريدان الإصلاح. فهما لا يحولان دون الاستمرار في تسييس القضاء، ولا يبادران إلى معالجة مشكلة الكهرباء وقطاع الاتصالات والطيران المدني، ويصران على عدم تطبيق القوانين الصادرة بشأن هذه القطاعات. كما أنهما لا يقومان بتطبيق الحوكمة الصحيحة في إدارة الشأن العام وغيرها من المسائل. هذا الاستعصاء والتمنع عن الإصلاح مازال مستمراً وأدّى بالنهاية الى تردي الأوضاع الاقتصادية والمالية بلبنان، والتي فاقمها استمرار التلاعب بالتوازنات الداخلية اللبنانية. وكذلك أيضاً استمرار التلاعب بالتوازنات في علاقة لبنان مع اشقائه وأصدقائه في العالم. كل ذلك أدى الى انهيار كبير في الثقة بالحكومة وبالعهد. وأدّى كذلك إلى انهيار في سعر صرف العملة اللبنانية، وإلى انهيار في الأوضاع المعيشية للبنانيين. هذا كله قد حصل قبل أن يطغى هذا التفجير الكبير على ما غيره، والذي أصاب العاصمة وأصاب أهلها والقاطنين فيها ودمر مرفأها. وهو ما تسبب وكما قلت بحالة غضب كبير عند الناس الذين يريدون ويطالبون بجهة محايدة تستطيع ان تقوم بالتحقيق بشكل سليم وبشكل محترف، وغير منحاز للتحقيق في الأسباب الحقيقية لما حصل. هذه هي المشكلة التي نراها أمامنا اليوم، وهذه هي الأسباب التي تدعو اللبنانيين إلى المطالبة بجهة محايدة للتحقيق.

س: سيدي يبدو ان رداً جاء سريعاً من نائب رئيس مجلس النواب اللبناني منذ قليل قال المطالبة بتحقيق دولي تعني ببساطة الغاء للدولة اللبنانية. ما ردك على هذا الكلام؟

ج: بدايةً، أودّ أن أؤكد لك أنّ الاستعانة بلجنة أو هيئة تحقيق حيادية ليست حالة وحيدة أو فريدة في العالم، وليس فيها الغاء للدولة اللبنانية ولا لسيادتها. إنّ استعانة الدولة اللبنانية بهذه اللجنة هي من اجل التأكيد على حيادية ومهنية عملية التحقق مما حصل، وذلك منذ أن جرى تحويل مسار السفينة لتتوجه إلى مرفأ بيروت ومن ثم إفراغ تلك الشحنة من مادة نترات الأمونيوم في مستودعات مرفأ بيروت وحتى يوم الانفجار. وفي ذلك استجابة لمطالب اللبنانيين. اللبنانيون الآن لديهم شكوك كبيرة بحيادية الجهات المحلية التي تريد ان تحقق في هذا الامر. لا سيما وان مرفأ بيروت كان يتولى الإدارة فيه ذات الأجهزة الأمنية والعسكرية والأجهزة المدنية التي تتولى الاشراف على جميع الأعمال في هذا المرفأ. إذ من سيحقق ومن سيتهم؟ "فيك الخصام وأنت الخصم والحكم". المشكلة الإضافية أنّ اللبنانيين أيضاً لا يريدون أن تكون هذه الوسيلة من اجل وضع اللوم على موظف صغير من هنا أو من هناك كتبرير، ويتجنب تحميل تلك المسؤولية الجسيمة للمسؤولين الكبار. ليس ذلك فقط، فإنّ التخوف أيضاً هو في رغبة أهل الحكم من انتهاز هذه الكارثة من أجل تنفيذ المزيد من الإمساك والاستيلاء من قبلهم ومن قبل ميليشياتهم للسيطرة على مؤسسات جديدة في الدولة اللبنانية. وذلك لتمكينهم من الإمساك بتلابيب الدولة اللبنانية ولزيادة سيطرة وسطوة هذه الدويلات المليشياوية وعلى الدولة اللبنانية وابتلاعها وهذا ما يخشاه اللبنانيون.

س: من تقصد تحديدا بالدويلات؟

ج: أعني بذلك وبشكل أساسي دويلة حزب الله الذي هو فعلياً الفريق الذي يمسك بتلابيب الدولة اللبنانية الآن. وهو يقوم بذلك بالتعاون بينه وبين التيار الوطني الحر، والذي هو تيار فخامة الرئيس، وينضم إليهما الأحزاب التابعة لهما، وذلك عبر تبادل المنافع والتغطية على بعضهم بعضاً في عملية السيطرة على الدولة اللبنانية. لا بل وأكثر من ذلك، فإني أرى أنّ هناك حاجة ماسة للاستعانة بهيئة حيادية للتحقيق، وهو ما تمليه مصلحة جميع اللبنانيين وفيه أيضاً مصلحة لحزب الله، وذلك عندما يريد هذا الحزب أن يعود الى لبنانيته ويصبح حزبا لبنانيا ويتخلى عن التدخلات التي يقوم بها لصالح الدولة الإيرانية في عدد من الدول العربية وتحديداً في سوريا والعراق واليمن وغيرها.

فلقد أدّى استمرار تورط حزب الله في هذه البلدان إلى توريط لبنان. وهو فعلاً ورّط لبنان ووضعه على ممر الافيال الكبرى الإقليمية والدولية بتدخلاته في المنطقة. لذا فإني اعتقد ان هذا الامر يجب ان يصار إلى إعادة النظر فيه من قبل حزب الله وان ينظر هذا الحزب إلى مصلحة لبنان واللبنانيين. والحقيقة أنّ على الحزب أن يسارع إلى القيام بذلك قبل أن يفوت الأوان ويحل الخراب والدمار بالجميع بمن فيهم حزب الله.

س: سيد السنيورة ما علاقة حزب الله بالانفجار الذي جرى الامس. هل لدى حزب الله إشكاليات أخرى ذكرتها الآن لكن ما علاقته بانفجار الامس؟

ج: أنا لا اريد أن أتهم أحد، ولا يمكن لي أن أتهم حزب الله على الاطلاق من دون أن تتوفر هناك أدلّة قاطعة. أنا ما أطرحه هو المطالبة بالتحقيق بهذا الامر بشكل متجرد وحرفي ونزيه. لكن ان يقول أحدهم ان الاستعانة بلجنة أو هيئة حيادية فيه الغاء للدولة اللبنانية؟ لا، هذا أمر غير صحيح ولا يمكن أن يستقيم، لا بل أنّ هذا يطرح على الجميع السؤال الكبير. من يلغي الدولة اللبنانية ويفتئت على سيادتها هو الذي يسيطر على الدولة اللبنانية وعلى مرافقها ومؤسساتها وإداراتها ويستتبعها لخدمة مصالحه. انفجار البارحة يحتاج إلى من يحقق فيه بشكل محترف ومستقل وحيادي. اما القول بأن حزب الله يسيطر على الدولة اللبنانية، فإنّ هذا واقع يراع ويعاينه جميع اللبنانيين، وليس فيه اتهام يجري توجيهه للحزب هكذا وبشكل عشوائي.

س: تقصد ان الرواية المطروحة الآن من قبل النظام ومن قبل الحكومة، رواية المتفجرات المخزنة منذ 2014 لا تليق او لا تتماشى مع هذه الفاجعة والكارثة سيدي؟

ج: حتماً لا يمكن أن تتماشى هه الرواية مع هول ما حصل. يا سيدي، أنا سأسألك سؤالا بسيطا، انفجار بحجم هيروشيما. هل يمكن التعامل معه وكأنه حادث سيارة؟ ماذا نستطيع ان نجيب امرأة فقدت زوجها او ابنها البارحة؟ ماذا يمكن أن نجيب شخص أصيب البارحة بجروح كبيرة. ثم ماذا يمكن أن نجيب على تساؤلات 400 أو 500 ألف شخص خسروا منازلهم أو تحطم زجاج منازلهم. هؤلاء الأشخاص ليس لديهم الإمكانية المادية أن يغيروا زجاج منازلهم الذي تهشّم البارحة بسبب الانفجار. ماذا نجيب كل هؤلاء؟ وذلك بتحقيق بسيط وغير محترف، وبالتالي يجري تحميل المسؤولية بالنتيجة برأس كم موظف؟ هذه عملية مضى عليها 6 سنوات، وهي تحصل تحت اعين كل هذه المؤسسات والأجهزة والإدارات.

كيف يمكن القبول بوضع مواد متفجرة بحجم قنبلة نووية صغيرة في وسط مدينة بيروت وعلى بعد أمتار من المناطق السكنية. ذلك ما أدى الى تدمير المرفأ. وهو مما أدّى إلى إلحاق خسائر هائلة بمليارات الدولارات بلبنان واللبنانيين، فالخسارة لا تشمل فقط تجهيزات المرفأ التي تدمرت، ولكن أيضاً جميع البضائع الموجودة في المرفأ، والتي أصبحت مهشمة ومدمرة بالكامل. إذ أن قسماً لا بأس به من المستوردات إلى لبنان يجري تخزينها في مستودعات أساسية في المرفأ، وكذلك الحال بحفظ بعض ما يصدره الصناعيون اللبنانيون الى الخارج. لقد دمر ذلك بالكامل وبعد ذلك هل من المقبول وإزاء هذه الكارثة الكبيرة أن يأتي أحدهم ليقول بأن التحقيق الشفاف والحيادي هو إلغاء للدولة اللبنانية؟ الغاء ماذا؟ هذا مستغرب ويدعو إلى الريبة.

س: سيد السنيورة، هل نحن امام حدث بسبب فشل وفساد الدولة في لبنان كما ذكرت انت الآن، أم نحن الآن امام حدث متعمد لإفشال أكثر للدولة اللبنانية؟

ج: لا انا لا أستطيع ان اتخذ صفة الادعاء الجُرمي بالنسبة لأي فريق. أنا جلّ ما أقوله إنه يجب ان نلجأ الى أسلوب نستجيب فيه لمطالب الناس في أن يكون لديها تحقيق شفاف وموضوعي ومحايد يخبرها بحقيقة ما حصل ولماذا حصل. كيف يمكن للمواطن اللبناني ان يصدق ان هناك باخرة فجأة تقترب من شواطئ بيروت وتطلب النجدة وبالتالي تفرغ حمولتها مع معرفة الجميع ان هذه حمولة خطرة. بالمناسبة هذا النوع من المواد Ammonium Nitrate بهذا التركيز من الأزوت الذي فيه 34.7%، والتي لا تستعمل الا لإنتاج المتفجرات. هذا النوع وبحسب القانون اللبناني والتعليمات في الجمارك اللبنانية ممنوع استيرادها أو إنزال مثل هذه الحمولة الى لبنان، وممنوع حفظها في المرفأ، حتى الأنواع الأخرى التي ما دون تركيز 30%، والتي تستعمل كأسمدة كيماوية فإنها تحتاج إلى موافقة مسبقة من مجلس الوزراء.

س: هل هذه المواد أتت إلى بيروت من جهة ما أو لجهة ما لاستخدامها؟

ج: هنا بيت القصيد. السؤال الكبير هو كيف جرى تفريغ هذه الحمولة وحفظها في مستودعات مرفأ بيروت. وهي قد بقيت دون ان يرف جفن أي أحد من المسؤولين الذين كانوا وتعاقبوا على هذه المسؤولية وقبلوا عن معرفة أو جهل أو غباء بأن يعرضوا مدينة بيروت الى هذا القدر من المخاطر وبالتالي هذا الدمار.

س: هل هناك رابط سيدي السنيورة بما حدث أمس ببيروت وبين جلسة النطق بالحكم التي كان محدداً أن يحصل بعد غد وتأجل الى الثامن عشر من آب. هل تعتقد ان هناك رابط بين الكشف عن حقيقة من يقف وراء مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وهذا الحادث؟

ج: لا يمكن القول بوجود رابط مباشر. ولكن الأمر هو موضوع تساؤل. ولذلك فإنّ السؤال: هل الشخص الموجود بحفرة يعمد الى الحفر زيادة ليفاقم حدّة مشكلاته؟ المنطق لا يقول ذلك. لا يمكن إخفاء امر ما بارتكاب جريمة جديدة وأكبر هذا منتهى الغباء. هذه الجريمة التي ارتكبت البارحة هي مثل جريمة رفيق الحريري. لقد اغتيل واستشهد رفيق الحريري لأنه شخص كبير من لبنان، وكان يمثل الدولة اللبنانية وأصبحت جريمة اغتياله تعتبر جريمة بحق الشعب اللبناني، وهذا الانفجار أيضاً هو جريمة بحق الشعب اللبناني.

س: ما وجه الشبه بين جريمة الامس وجريمة مقتل الرئيس الحريري 2005؟ ما الرابط بين هذا وذاك؟

ج: وجه الشبه في أنّ الذين قتلوا رفيق الحريري ليس بينه وبينهم أي علاقة ولا تجرمهم المحكمة الدولية لأن لديهم ثأر على الرئيس الحريري. أولئك المجرمون لا يعرفون الرئيس الحريري، ولم يتحدثوا معه ولكنهم قتلوه لأنهم قتلة مأجورين ومسيرين وموجهين لاغتياله. ممن؟ من مَن كان يأمرهم وهو أمرهم بأن يقوموا بهذا العمل وبالتالي ارتكبت تلك الجريمة.

بعد ارتكاب تلك الجريمة، فهي قد أصبحت جريمة ارتكبت بحق الشعب اللبناني. وعندما سيصدر الحكم ومن أعلى سلطة دولية بالعالم بكونها محكمة دولية، فإنّ الأمر يصبح ملك الشعب اللبناني. المحكمة الدولية أخذت كل وقتها ولقرابة 14 سنة من التمحيص والدراسة والتحقيقات والمرافعات حتى توصلت الى الحكم الذي ستصدره وبالتالي هذا الحكم أصبح من حق الشعب اللبناني وبذلك يتخطى هذا الحكم، ويتجاوز حق الدم إلى تلبية حق اللبنانيين. ما عادت المشكلة في اغتيال رفيق الحريري مشكلة عائلته فقط بل أصبح الأمر يتعلق بحق الشعب اللبناني في الحياة والحرية والعدالة. وكلّ الهم ان لا يستمر لبنان مرتعا لكل المجرمين او للذين يتهربون من وجه العدالة. هذه هي كل المشكلة وحقيقتها.

لماذا قتل رفيق الحريري؟ لماذا صار كل اللي صار؟ لبنان تعرض على مدى العقود الماضية لسلسلة لا تنتهي من المحن والنكبات والاغتيالات وتعرض العديدون للاغتيال. فلقد اغتيل رئيسي جمهورية و3 رؤساء حكومة وعدد كبير من رجال الفكر والسياسة والدين والصحافة. ولقد انتفض اللبنانيون بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وطالبوا بمحكمة دولية للدفاع عن حقهم وحقهم في الحرية والعدالة؟

هذا الامر الذي جرى البارحة كان أيضا عملا كبيرا ارتكب بحق اللبنانيين ولا يجوز بالنهاية ان يصار الى معالجته وكأنه جريمة عادية او كأنه حادث سيارة. وبالتالي، علينا ان ندع التحقيق الصحيح يأخذ سيره بطريقة شفافة ونزيهة وحيادية عبر هيئة حيادية ونزيهة ومحترفة. إنّه بذلك يمكن ان يجري تلبية مطالب وحقوق الشعب اللبناني. لذلك، فإنّ اللبنانيين يروا أنه يجب ان يكون التحقيق بيد جهة حيادية تتمتع بالصدقية. ولذلك، نحن كرؤساء حكومة سابقين اقترحنا تعيين لجنة دولية يعينها مجلس الامن واما لجنة عربية تعينها الجامعة العربية.

س: لماذا يرفض الشركاء في الدولة او النظام مثل هذه الاطروحات الآن بوجهة نظرك؟

ج: أنا اعتقد ان الكلام الذي سمعته منك على لسان أحد النواب بأن في تعيين هيئة حيادية فيه افتئات على سيادة الدولة اللبنانية وإلغاء للدولة اللبنانية. هذا غير صحيح وهذه حجة لا تستقيم.

س: حتى لا اطيل عليك وانا اشكرك على هذا الوقت. البعض يرى ان المسؤولية لا تقع على النظام الحالي او الحكومة الحالية في لبنان بل تقع على كل الطبقة السياسية اللبنانية. الجميع شارك بالحكم الجميع دفع لبنان لما أصبح هي عليه الآن؟ هل هذا صحيح سيد السنيورة؟

ج: هذا بالضبط ما قلته لك في أن هناك استعصاء قديم موجود في الدولة اللبنانية وتمنع على الإصلاح. هذا الاستعصاء والتمنع عن القيام بالإصلاح هو ما عانيت منه انا شخصيا عندما كنت وزيرا للمالية، وعانيت منه أيضا عندما أصبحت رئيسا للحكومة، وعانيت منه أيضا عندما أصبحت نائباً، ورئيس كتلة نيابية كانت الأكبر في المجلس النيابي.

هذا الاستعصاء قديم وهذا الاستعصاء كان يتسبب بذلك التردي المستمر في أوضاع لبنان الاقتصادية والمالية. لقد كانت هناك محاولات عديدة قمنا بها وتعرضنا لنكسات ولكننا استمرينا في المجابهة والتصدي وتعرضنا للفشل. ولكن هذا الانحراف والاستعصاء استشرى بعد ذلك بدلاً من أن يتقلص، وهو مما زاد الأمور تفاقماً.

لا شكّ أنّ التاريخ سيذكر هذا الاستعصاء والتمنع عن القيام بالإصلاحات، والذي أدّى لما يسمى بالتردي الكبير في الأوضاع الاقتصادية والمالية والإدارية والقطاعية في لبنان. وعلى ذلك، كانت تتفاقم تلك الأوضاع، ولاسيما منذ مطلع العام 2011 عندما جرى الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري. ومن ثم كانت نتيجة ذلك المزيد من اطباق حزب الله على تلك الحكومة التي تألفت بعد حكومة الرئيس سعد الحريري. ومن ذلك التاريخ بدأت المؤشرات الاقتصادية والمالية تبين مدى انحسار النمو الاقتصادي. فبعد أن كان النمو في حدود 9,5% سنوياً خلال السنوات 2007 و2008 و2009 و2010. فقد أصبح العجز الاقتصادي في حدود 1,5% سنوياً على مدى السنوات من 2011 الى 2019. كذلك أيضاً، فقد حصل ترد كبير في وضع مديونية الدولة اللبنانية. وكذلك حصل ترد آخر، إذ تحول ميزان المدفوعات السنوي من فائض كبير إلى سلبي وبمبالع كبيرة.

كذلك، فقد حصلت تطورات أخرى في العام 2016، بعد ان تسلم الرئيس عون مقاليد رئاسة الجمهورية، إذ جرت أيضاً تحولات أساسية أدت الى مزيد من اللاتوازن في السياسات الداخلية اللبنانية وأيضا في السياسات الخارجية بنتيجة ذلك الاتفاق الذي جرى بين الرئيس عون وحزب الله في مار مخايل في العام 2006 لجهة تبادل المنافع والتغطية على بعضهما بعضاً.

بعد ذلك، عندما حصلت الانتفاضة في 17 تشرين الأول من العام الماضي، بدأ المزيد من التدهور في الثقة بين الشعب اللبناني، وبين الدولة اللبنانية والحكومة اللبنانية وبرئيس الحكومة الى الحد الذي أصبح لبنان عليه اليوم. وبالتالي دعني أجيبك على ما تقوله حول من يتحمل المسؤولية. في الحقيقة، لا تعود المسؤولية إلى هذه الحكومة وهذا صحيح. فهذا التقاعس عن الإصلاح أمر مضى عليه سنوات عديدة. ولكن المشكلة التي نختلف بشأنها مع رئيس الحكومة الحالي بأنه دائما يعود ويقول "هم الحق عليهم" ولم يدعونا نعمل.

دعني أقول لك عن قاعدة أساسية في شؤون الحكم في أي دولة. فالحكومة الجديدة عندما تتسلم تصبح هي المسؤولة وهي التي عليها ان تعالج المشكلات. فالناس عندها تريد حلولا وليس اعذارا ولا أن تضيع الحكومة وقتها في التفتيش عن مبررات لعدم العمل. الناس تريد حلولا وبالتالي عندما تتسلم المسؤولية عليها ان تتولى هذه المسؤولية وأن تتحملها وأن تجترح الحلول الصحيحة للمشكلات.

مشكلتنا مع هذه الحكومة أنها تضيع وقتها في اتهام مسؤولين سابقين. عليها أن تركّز جهودها على العمل والإنجاز وليس بلوم الآخرين. في أمر آخر، فإنه وبسبب تلكؤ هذه الحكومة وتقاعسها فإنها تزيد الأمور تدهوراً. هذا لا يعني أن لا يصار إلى محاسبة من تولّى المسؤولية إذا ثبتت إدانته، وذلك عبر الوسائل القانونية والمؤسساتية.

س: هل تريد ان تقول لرئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الوزراء حسان دياب تحملوا المسؤولية او اتركوا اماكنكم؟ هل هذا ما تريد قوله؟

ج: كلا، ليس هذا ما اطلبه من هذه الحكومة وهذا العهد. يا اخي هذه الحكومة مضى عليها 6 أشهر الآن، وهي حتى الآن لم تستطع أن تتفق فيما بينها وبين أعضائها على تصور واحد وخطة تستطيع ان تتقدم بها إلى صندوق النقد الدولي. لبنان الآن- وياللأسف- في حالة سقوط Free fall بدون أي ضوابط وبدون أي شبكة امان. لبنان امام الارتطام الكبير ومنه الارتطام الذي رأيناه البارحة.

هذه هي المشكلة. يعني ما أقوله إن اللبنانيين لا يريدون ان يسمعوا المزيد من الأعذار والتبريرات. وبالتالي، هم لا يرضون بأداء يؤدي إلى التسبب بتعقيد مشكلات قائمة. لا تعالج الأمور بالتلكؤ والارتباك أو التمنع على الإصلاح. فمازال رئيس الجمهورية يمتنع عن توقيع التشكيلات القضائية التي اقرها مجلس القضاء الأعلى وهي السلطة التي تقرر بهذا الشأن، ولاسيما وأن مجلس القضاء الأعلى أعاد التأكيد على تلك التشكيلات إذ أنه وحسب القانون في هذا الصدد تصبح صلاحية رئيس الجمهورية مقيدة. وبالتالي عليه ان يوقع على مرسوم تلك التشكيلات بما يثبت استقلالية القضاء وعدم زج الحسابات والمصالح السياسية بالقضاء. إلاّ أنّ رئيس الجمهورية مازال يمتنع عن توقيع هذا المرسوم، ويمتنع عن دعم إقرار الإصلاحات في قطاع الكهرباء، وهو القطاع الذي أصبح مسؤولا عن أكثر من 60% من مجموع الدين العام كما أصبح مجموعه حالياً. ولاسيما وأنّ ممثلي حزب الرئيس كانوا في موقع المسؤولية وفي هذا القطاع بالذات منذ أكثر من 12 عاماً وفي هذه الحقيبة الوزارية تحديداً. كيف يمكن ان نبرر للبنانيين هذا الامر.

في ضوء ما تقدم، فإنّ هذا الحدث الجلل والكبير الذي هو بحجم الزلزال، فإنه ينبغي أن يصار إلى طلب مساعدة مجلس الأمن الدولي أو مساعدة جامعة الدول العربية. هل أن هذا الامر يعرِّض الدولة اللبنانية للإلغاء أو المسّ بسيادة الدولة اللبنانية. لماذا؟ هناك جريمة حصلت بحق رفيق الحريري وجرت الاستعانة بمجلس الأمن الدولي وبالنتيجة لم تتعرض الدولة اللبنانية الى الالغاء أو التأثير عليها. وبالتالي لا مسّ بالسيادة اللبنانية في حال تمت الاستعانة بطلب المساعدة من أجل التحقيق بملابسات هذا الانفجار المزلزل إذا أردنا أن نتحدث عن من يفتئت على سيادة الدولة اللبنانية فإنه حزب الله.