Diaries
06:56
"النهار" : وثيقة "حزب الله" لبننة سياسية بخطاب المعارضة والمقاومة
جنبلاط ينادي بمداورة الرئاسات والبيان الوزاري يُقرّ غداً
هل جاء زمن "الطروحات الكبرى" المتصلة بأزمة النظام السياسي في لبنان، ام ان الظروف التي أدت الى ولادة "حكومة الوفاق الوطني" وما أعقبها من اثارة لمسألة الغاء الطائفية السياسية فتحت مسلكا لم تلحظه التوقعات والتقديرات السياسية المسبقة؟
هذا السؤال طرح أمس حيال واقع بدا معه مشروع البيان الوزاري للحكومة متخلفا عن اللحاق بالقضايا الكبرى التي برزت اولا في الوثيقة الجديدة لـ"حزب الله" ومن ثم في المقاربات التي طرحها رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط لتطوير النظام السياسي. وكلاهما يكتسب طابعا استثنائيا وينتظر ان يثير نقاشا وجدلا واسعين.
غير ان الوثيقة الثانية لـ"حزب الله" منذ تأسيسه حظيت باهتمام لم يقتصر على الاوساط المحلية بل شمل ايضا الوسط الديبلوماسي العربي والاجنبي، نظراً الى الدلالات التي انطوت عليها هذه الوثيقة سواء في تطور مسيرة الحزب وسياساته وطروحاته على المستوى السياسي الداخلي، أم في رسمها لمعالم ارتباطاته وتحالفاته الخارجية اقليميا واسلاميا.
والواقع ان الوثيقة التي تلاها الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله عبر شاشة عملاقة في مؤتمر صحافي حاشد امس، في قاعة الجنان على طريق المطار، حملت تغييرا كبيرا وملحوظا في خطاب الحزب وادبياته ومصطلحاته في الشأن اللبناني الداخلي بالمقارنة مع وثيقة تأسيسه الاولى وخطابه في مراحل انطلاقته التي غلبت عليه فيها صفته كحركة اسلامية. فجاءت الوثيقة الجديدة لتعكس انخراطه الكامل في الحياة السياسية الداخلية عبر خطاب "ملبنن" تماما اسوة بالاحزاب والتيارات السياسية الاخرى.
وفي المقابل، زاوج الحزب بين هذا التغيير والتمسك بمجموعة من المفاهيم والسياسات والمبادئ والمصطلحات التي لم يطرأ عليها أي تغيير وخصوصا في مسألة المقاومة او في موقفه من الولايات المتحدة الاميركية والعلاقات مع سوريا وايران، فضلا عن موقفه من مفاوضات السلام.
واذ شكل الفصل المتعلق بلبنان جوهر هذه الوثيقة، بدت الرسالة الواضحة للحزب من خلالها انه يثبت انخراطه في السياسة الداخلية بكل ميادينها ولكن على اساس الخطاب المعارض عينه والسياسات التي اتبعها وقوى المعارضة بين 2005 و2009 وخصوصا بما يعنيه ذلك من تمسك بالمكاسب السياسية التي حققها "حزب الله" وحلفاؤه عبر الحكومات المتعاقبة في هذه الحقبة، وليس أدل على ذلك من تشبثه بـ"الديموقراطية التوافقية" الى حين الغاء الطائفية السياسية.
وشكل الجزء المتعلق بلبنان نصف الوثيقة تقريبا. وعرّفت الوثيقة لبنان بانه "وطننا ووطن الآباء والاجداد كما هو وطن الابناء والاحفاد وكل الاجيال الآتية (...) والوطن الذي نريده لكل اللبنانيين على حد سواء (...) واحدا موحدا". واكدت رفض الحزب "اي شكل من اشكال التقسيم او الفدرلة الصريحة أو المقنعة". وافردت مجالا واسعا لموضوع المقاومة، معتبرة ان "دورها ووظيفتها ضرورة وطنية دائمة دوام التهديد الاسرائيلي ودوام اطماع العدو في ارضنا ومياهنا ودوام غياب الدولة القوية القادرة". وشددت على ان "التهديد الاسرائيلي الدائم يفرض على لبنان تكريس صيغة دفاعية تقوم على المزاوجة بين وجود مقاومة شعبية (...) وجيش وطني (...) في عملية تكامل اثبتت المرحلة الماضية نجاحها في ادارة الصراع مع العدو".
وفي موضوع "الدولة والنظام السياسي" رأت الوثيقة ان "المشكلة الاساسية هي الطائفية السياسية" وان "الشرط الاساسي لتطبيق ديموقراطية حقيقية يمكن على ضوئها ان تحكم الاكثرية وتعارض الاقلية هو الغاء الطائفية السياسية". وأضافت: "والى ان يتمكن اللبنانيون من تحقيق هذا الانجاز (...) فان الديموقراطية التوافقية تبقى القاعدة الاساس للحكم في لبنان (...) وتشكل صيغة سياسية ملائمة لمشاركة حقيقية من الجميع".
وقد أوضح السيد نصرالله في حواره مع الصحافيين ان الحزب قدم "وثيقة سياسية ولم نعالج الجوانب العقائدية او الايديولوجية والفكرية". وقال: "موقفنا من مسألة ولاية الفقيه هو موقف فكري وعقائدي وديني وليس موقفا سياسيا خاضعا للمراجعة". ولم ير تناقضا بين "انخراط الحزب في الحياة السياسية ومشاركتنا في بناء مؤسسات الدولة وايماننا والتزامنا ولاية الفقيه".
في غضون ذلك، كانت للنائب جنبلاط مقاربة لافتة في موضوع تطوير النظام السياسي، طرح عبرها جملة عناوين في معرض تعليقه على الحملات والحملات المضادة التي رافقت طرح الغاء الطائفية السياسية. وإذ ذكر "بضرورة انشاء مجلس الشيوخ"، دعا الى تطوير النظام الانتخابي في اتجاه تطبيق النسبية، وسأل: "ما الذي يمنع مثلا تطبيق المداورة في الرئاسات والخروج عن التقاليد القديمة التي وزعت مراكز النفوذ والقوى بين طوائف معينة وحرمته على طوائف أخرى كأن هناك طوائف درجة أولى وطوائف درجة ثانية؟".
الى ذلك ينتظر ان يعود رئيس الوزراء سعد الحريري الى بيروت في الساعات المقبلة بعد زيارة خاصة للمملكة العربية السعودية. وستعقد جلسة لمجلس الوزراء في الحادية عشرة قبل ظهر غد في قصر بعبدا لمناقشة مشروع البيان الوزاري واقراره.
وباتت مواقف الافرقاء المشاركين في الحكومة من مشروع البيان الوزاري معروفة، فالوزراء الذين يؤيدونه من دون تحفظ هم المحسوبون على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزراء "حزب الله" و"أمل" والحزب التقدمي الاشتراكي و"تكتل التغيير والاصلاح". أما الوزراء الذين يمثلون مسيحيي 14 آذار فقد عقدوا امس اجتماعا في منزل الوزير ميشال فرعون ولم يصدروا بيانا عن الموقف من البيان الوزاري قبل جلسة مجلس الوزراء، إلا أنهم التقوا على تأكيد الدعم لرئيس الوزراء وتسهيل انطلاقة عمل الحكومة والتزام مبدأ التضامن الوزاري. وبات في حكم المؤكد ان يسجل وزراء الكتائب و"القوات اللبنانية" والوزير بطرس حرب اعتراضهم على البند المتعلق بالمقاومة في البيان.
06:59
"السفير" : التهديد الإسرائيلي يفرض المزاوجة بين المقاومة والجيش ...
وهذه رؤيتنا للدولة القويـة
نصر الله يعلن انخراط "حزب الله" في "النظام السياسي اللبناني"
لم تكن إطلالة الأمين العام ل "حزب الله" السيد حسن نصر الله بالأمس، إطلالة عابرة، ولو أن الشاشة العملاقة، تستمر وسيلة تخاطب بينه وبين الجمهور الحزبي واللبناني والعربي والإسلامي، منذ أكثر من ثلاث سنوات، لاعتبارات متصلة بسلامته ومن خلاله سلامة الحزب والمقاومة.
لم تكن إطلالة عابرة أو عادية، ذلك أن الوثيقة السياسية الجديدة للحزب، لم تكن إلا محاولة لإعادة توثيق وقوننة ما قاله الحزب وأمينه العام في السنوات الأخيرة، في مناسبات عدة، وربما بصورة أكثر تفصيلية أحيانا، لكن مناسبة المؤتمر الحزبي السابع، الآتي بتأخير سنتين عن موعده، في هذه اللحظة التاريخية، إنما عكست حاجة الحزب الى وثيقة ملزمة لقيادة الحزب وكوادره، حيث صار لزاما عليها أن تكون منسجمة في مواقفها، الآنية والاستراتيجية، مع مضمون الوثيقة السياسية الجديدة.
وفي المقابل، قدم الحزب، للمرة الأولى منذ دخوله الندوة النيابية في العام 1992، وثيقة مكثفة تشكل مرجعا، للقاصي والداني، لمحاكاة ومحاكمة موقف الحزب من إشكاليات عدة أبرزها موقفه من المقاومة والدولة في لبنان والقضية الفلسطينية والعروبة والعلاقة مع إيران.
وقد اختار "حزب الله" هذا التوقيت السياسي بامتياز كي يطل بوثيقته، وأن يتولى أمينه العام السيد حسن نصر الله تلاوتها شخصيا بنصها الكامل، في مؤتمر صحافي، نقلت وقائعه فضائيات لبنانية وعربية وإســلامية، وحظي باهتمام الإعلام الغربي، فيما كانت بعثات دبلوماسـية غربية تتابع وقائعه على الهواء مباشـرة، تمهيدا لإعداد تقارير حول قراءتها لأبرز ما تضمنه.
في الشكل، نجح الحزب في الهدف، بدليل الصدمة الايجابية العامة، لدى الجمهور اللبناني العريض، إزاء مضمون الوثيقة، ولو أن بعض ردود الفعل عليها لم تخل من انتقادات، ناعمة حينا، وحادة في أحيان أخرى، ذلك أن كل جهة استنسبت ما تعتقده مناسبا لها، كي تقول فيها ما تريد قوله سواء في الإيجاب أو السلب.
وفي التوقيت، بدا واضحا أن تراكم الأحداث، في الساحة اللبنانية، ومن حولها، على مدى السنوات الخمس الأخيرة، وتحديدا منذ ولادة القرار 1559 ومن ثم استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وصولا إلى الانتخابات النيابية الأخيرة، مرورا بحرب تموز 2006 واعتصام وسط بيروت وأحداث السابع من أيار 2008... كلها تطورات أملت خوض تجربة سياسية جديدة وشاقة، انتقل خلالها الحزب، للمرة الأولى منذ ولادته، من موقع المعارض، خارج المجلس النيابي ومن ثم داخله(بعد 1992) الى موقع الشراكة في السلطة السياسية (الحكومة)، أي أنه اصبح ملزما بتقديم مشروع. ولذلك جاءت الوثيقة، في هذا المفصل التاريخي، ولو متأخرة، خاصة أن الحديث عنها، داخل الحزب نفسه، انطلق للمرة الأولى، بعيد التحرير في العام ألفين مباشرة، لكنها أهملت لاحقا لاعتبارات حزبية ولبنانية.
في الشكل والمضمون، ها هو "حزب الله"، للمرة الأولى منذ "الرسالة المفتوحة" الأولى، التي أذيعت في العام 1985، بكل ما تضمنته من عناوين كبرى، معظمها جاء منافيا أو مخالفا للبيئة السياسية اللبنانية، يبادر إلى تقديم وثيقة سياسية راقية ومدروسة، يعلن من خلالها انخراطه الكامل في الشأن السياسي الداخلي، تاركا للبرامج أن تعلن في ضوء الورشة التي أطلقت بعد المؤتمر السابع ومن خلالها سيحدد الحزب رؤيته لكل ما يتصل بالشأن الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي والتربوي... الخ.
ولعل الإطلالة ولو السريعة، اليوم تحديدا، على "الرسالة المفتوحة" التي أذاعها السيد إبراهيم أمين السيد من حسينية الشياح قبل ربع قرن تقريبا، إنما هي كفيلة بتظهير مستوى التطور في رؤية "حزب الله"، إذ انطوت الوثيقة على لغة سياسية واقعية، جديدة، متواضعة إلى حد كبير، مختلفة عن لغة الثمانينيات، حيث كانت لغة "الرسالة المفتوحة" نظرية ووعظية وعقائدية وخشبية وفوقية، فضلا عن مضمونها "المتزمت" تبعا للحسابات اللبنانية والعربية وحتى الإسلامية!
طبعا، لا يحاول الحزب من خلال الوثيقة الجديدة، القطع بالكامل مع تاريخه، بل القول انه كبر وتطور وراكم وتلبنن وأصبح أكثر حداثة ونضجا ومسؤولية والدليل يكمن في مقاربة قضايا سياسية مشتركة، سواء على الصعد اللبنانية أو العربية أو الإسلامية تشي كلها بنضج نظري مصدره الأول نضج التجربة وغناها.
لم يتغير موقف الحزب جوهريا من الأميركيين أو الإسرائيليين في "الوثيقة الثانية" عما كانه في "الأولى". نعم تغيرت المقاربة. في الأولى، كان يقول "أعداؤنا هم اسرائيل أميركا، فرنسا والكتائب"... "أميركا أم الخبائث والمصائب".. "إسرائيل يجب أن تزول من الوجود".. على الكتائبيين أن يرضخوا "للحكم العادل وأن يحاكموا جميعا على الجرائم التي ارتكبوها بحق المسلمين والمسيحيين بتشجيع من أميركا وإسرائيل".
في الثانية، يذهب "حزب الله" نحو توصيف المشروع الأميركي والاسرائيلي ويشرح الحيثيات التي تدفعه لاتخاذ موقف من "المشروع" وليس من "الأميركي" نفسه أو من "اليهودي". يسري الأمر على العنوان الفلسطيني، حيث تقول الوثيقة في فصلها الثالث "فلسطين وقضية التسوية"، تستفيد من تجربة المقاومة ونجاحاتها لبنانيا وفلسطينيا وفشل المراهنة بالمقابل، على المشروع الأميركي ـ الاسرائيلي، وتتضمن مقاربة تفصيلية ممتازة، تحظى بمقبولية فلسطينية وعربية واسلامية، خاصة أنها تخلص الى الوقوف الثابت والدائم الى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته بثوابتها التاريخية والجغرافية والسياسية ودعمها لحركات المقاومة الفلسطينية ونضالها في مواجهة المشروع الاسرائيلي.
ولعل الانتقادات القائلة بأن البعد العربي لم يكن حاضرا بشكل واف في الوثيقة، سواء من خلال تحديد مفهوم الحزب للعروبة وموقفه من قضايا تخص الأمة العربية تحديدا (مثل الوحدة العربية التي لم تأخذ الحيز المطلوب)، قد عوّضها البعد الفلسطيني، ذلك أن الحزب يواجه إحراجا مثلث الأضلاع، بين إلحاح لبناني على زيادة المنسوب اللبناني في خطاب الحزب وأدبياته، وبين إلحاح عربي وإسلامي مزدوج على الخروج من الزواريب اللبنانية الضيقة والارتقاء إلى ما شكّلته المقاومة اللبنانية من رافعة للمقاومة والممانعة على الصعيد العربي ـ الإسلامي.
وقد شكّلت الوثيقة محاولة للتوفيق بين هذه الأبعاد الثلاثة، فالحزب قدّم نفسه كمقاومة لبنانية بأبعاد عربية وإسلامية. نعم هو حزب إصلاحي لبناني يدرك الخصوصية اللبنانية ويحترمها ويقبل بها، لكنه ينطلق منها
نحو منظومة أوسع فكريا وسياسيا يبدو الإسلام بمعناه الحداثي المنفتح ركيزتها الأساس.
ورب قائل ان القاعدة الفكرية التي استندت اليها الوثيقة "تقوم على تعددية الدول ووحدة الأمة واعتبار المصالح الوطنية مسوغة ولا تتناقض مع الانتماء الأوسع والأرحب بل تتكامل معه"، ولذلك كان الحزب، على مدى وثيقته المؤلفة من اثنتين وثلاثين صفحة "فولسكاب"، يحاول صياغة موقف "بهاجس التوفيق بين الأبعاد الثلاثة، اللبنانية والعربية والاسلامية، بما ينفي أي تناقض أو تعارض مفترض بينها".
لا تلعن الوثيقة النظام اللبناني ولا ترجمه أو تكفّره، كما هي الحال مع "الرسالة المفتوحة"، ولا تخلص إلى وجوب بناء النموذج الاسلامي، أو دعوة المسيحيين لاعتناق الإسلام، بل هي تنطلق من الواقع المر للنظام الطائفي الى محاولة رسم أفق نظري للتغيير، بالدخول الى "الصيغة" والسعي للاصلاح من خلال الآليات الدستورية، وليس بطريقة انقلابية. بهذا المعنى، تأتي الدعوة لالغاء الطائفية السياسية كهدف يمكن أن يتحقق "بعد عشرات السنين اذا شكلنا اليوم الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية"... وحتى ذلك الحين (الغاء الأسس الطائفية)، "فان الديموقراطية التوافقية تبقى القاعدة الأساس للحكم في لبنان لأنها التجسيد الفعلي لروح الدستور وجوهر ميثاق العيش المشترك" (نص مأخوذ حرفيا من "وثيقة التفاهم" الموقعة بين الحزب و"التيار الوطني الحر" في السادس من شباط 2007).
وفي المضمون أيضا، أمامنا وثيقة لا يعلن فيها "حزب الله" بالنص الحرفي إيمانه بنهائية الكيان اللبناني، لكن من يقرأ أدبيات الحزب ومضمون الوثيقة جيدا، يجد أن الروحية ترد ليس على طريقة الدستور الملزم، بل من خلال تأكيد السيد نصر الله في مقدمة النص المكتوب، أن لبنان "هو وطننا ووطن الآباء والأجداد كما هو وطن الأبناء والأحفاد وكل الأجيال الآتية".
تتضمن الوثيقة "لمعات" تستوجب التوقف عندها، في الجزء الأول، عندما تقارب المشروع الأميركي وتدعو الى قيام جبهة عالمية لمواجهة الخطر الأميركي "من منظار استراتيجي عالمي"، كما في الجزء اللبناني (13 صفحة)، خاصة عندما تؤكد في السطور الأولى رفض كل أشكال التقسيم أو "الفدرلة" الصريحة أو المقنّعة، وتنتقل الى مقاربة واقعية تاريخية لفكرة وثقافة المقاومة، تخلص فيها الى القول إنّ التهديد الإسرائيلي الدائم "يفرض على لبنان تكريـس صيغة دفاعية تقوم على المزاوجة بين وجود مقاومة شعبية تساهم في الدفاع عن الوطن في وجه أي غزو إسرائيلي، وجيش وطني يحمي الوطن ويثبّت أمنه واستقراره، في عملية تكامل أثبتت المرحلة الماضية نجاحها في إدارة الصراع مع العدو وحققت انتصارات للبنان ووفرت سبل الحماية له".
هذه الفقرة تحديدا كانت نقطة تباين بين من رأوا فيها بشكل ايجابي محاولة لتثبيت ثنائية الجيش والمقاومة وبين من اعتبروها غير كافية وغير مطمئنة للطرف الآخر.
تحدد الوثيقة مفهوم الدولة التي يتطلع "حزب الله" إلى بنائها، في نص مكثف هو الأول من نوعه لهذا الحزب الذي ولد منذ 27 عاما، ويقارب في فقرة مستقلة العلاقات اللبنانية الفلسطينية وخاصة عبر الدعوة إلى منح الفلسطينيين في لبنان حقوقهم المدنية والاجتماعية. كما تقارب الوثيقة علاقات لبنان العربية والإسلامية والدولية وخاصة مع سوريا وإيران، وتدعو إلى وحدة الصف العربي وتؤكد إقليميا تبني الممارسة السياسية القائمة على حصر النزاعات أو تنظيمها والحؤول دون انفلاتها إلى مجال الصراعات المفتوحة، وكذلك عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد عربي أو إسلامي.. مع فقرة تتحدث "عن النزف المسيحي المستمر من المشرق العربي وخاصة من فلسطين والعراق فضلا عن لبنان".
وتميز الوثيقة في هذا السياق، الموقف الأوروبي، بطريقة لطيفة ولبقة، عن الموقف الأميركي عبر الدعوة إلى تغليب النزعة المتوسطية أوروبيا على حساب النزعة الأطلسية الاستعمارية، كما تعبر عن الارتياح للتجربة الاستقلالية والتحررية الرافضة للهيمنة الأميركية في أميركا اللاتينية.
بعد الوثيقة التي أعلنها السيد حسن نصر الله في الثلاثين من تشرين الثاني 2009، انبرى من يقول له أمام الحشد الإعلامي وعلى مرأى من الجمهور العريض الذي كان يتابعه: "أهلا وسهلا بك سماحة "السيد" في النادي السياسي اللبناني"... .
