Diaries
13:49
سياسة - النادي الثقافي العربي كرم الرئيس السنيورة برعاية الرئيس الحريري
الوزير متري: رجل اختار جانب الخيرالعام والدولة ولم ينل منه خوف او تقضه خيبة
عمل لبناء ثقافة المواطنة وثقافة الدولة الواحدة والمجتمع المتنوع في الوحدة
الرئيس السنيورة:أرجو أن يكون لبنان مع تشكل حكومة الائتلاف قد خرج من الوهدة
وما يقلقني هو إحساسي أن مسيرة الانحدار القومي كانت وما تزال كبيرة وعميقة
كرّم " النادي الثقافي العربي" في احتفال اقيم مساءً، في مجمع "البيال" الرئيس فؤاد السنيورة، في حضور رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ممثلا بوزير الاعلام الدكتور طارق متري، الرئيس نجيب ميقاتي، وزير التربية والتعليم العالي حسن منيمنة، الوزير وائل ابو فاعور، والنواب السادة: عاطف مجدلاني، احمد فتفت، خالد الضاهر، محمد الحجار، امين وهبي، غازي يوسف، تمام سلام، زياد القادري، خالد زهرمان، عمار حوري، سمير الجسر، نبيل دو فريج، نديم الجميل، جمال الجراح، سيرج طورسركيسيان، وعاصم عراجي، ممثلو السلك الديبلوماسي العربي ووزراء ونواب سابقون وحشد من الشخصيات السياسية والحزبية ونقباء ورؤساء هيئات وجمعيات وروابط اجتماعية والاهلية وممثلو مراجع روحية وعسكرية واعلامية، رئيس النادي الثقافي العربي عمر فاضل والرؤساء السابقون للنادي واعضاء النادي.
فاضل
بعد النشيد الوطني اللبناني استهل عمر فاضل الحفل بكلمة استهلها بالقول:"اصارحكم القول بانه في هذه اللحظة تتملكني حال من التهيب وربما الحرج فالمقام مهيب والمحتفى به له مكانة رفيعه عندكم وعندي، وخشيتي ان يتعثر بي المقال فلا ياتي على قدر المقام وقلت لا عليك يا صاحبي فالرئيس السنيورة انسان متواضع كريم في تسامحه، تسامح مع خصوم ومنهم من كان فظا وغليظا فكيف به مع اصدقاء ومحبين".
وقال:" في لقاء حديث العهد في السراي حملنا اليه التهاني على فوزه المستحق في انتخابات على اهميتها كان الحديث عنها عابرا. في المقابل اخذنا الى حديث حار يتصل بصميم بالهم الوطني والقومي عبر دولته عن قلقه الشديد من تراجع الخطاب الثقافي الوطني والقومي وصعود النزاعات الانقسامية التفتيتية الطائفية والمذهبية. حذر من هذه الظاهرة الخطيرة التي اعتبرها احد كبار مثقفينا وباء عاما اذا استفحل اصاب وحدة اجتماعنا اللبناني ووحدة اجتماعنا العربي على مستوى الامة، وذهابا من هذا القلق دعانا الى تكثيف العمل الثقافي وتفعيل الخطاب الوطني والقومي، ورفع شان الولاء للوطن والعروبة كوجهين متلازمين لولاء واحد وهو الملاذ والعاصم عن اي انحراف او شطط ولا عجب فدولته عروبي صميم وملتزم بالفكر القومي العربي ورئيس سابق للنادي الثقافي العربي وله فيه دور تأسيسي".
اضاف:"الرئيس السنيورة من اولئك الذين تكرمهم الافعال قبل الاقوال. يوم كلف بترؤس الحكومةعام 2005 كانت البلاد تترنح من وقع الجريمة الكبرى التي اودت بحياة القائد اللبناني والعربي الرئيس رفيق الحريري. افاقت على هول خسارتها المفاجئة لقائدها ورائد مسيرتها ووقعت في الفراغ على مستوى القيادة والادارة السياسية. وكاد هذا الفراغ ان يفترس التوازن الوطني لولا ان عقد الاجماع على تولي الاستاذ فؤاد السنيورة دفة الحكم ، فهو الاقرب للرئيس الشهيد، ورفيق دربه، وموضع ثقته والمؤتمن على اكمال المسيرة الوطنية، مائة وستة وعشرون نائبا من اصل مائة وثمانية وعشرين سموه رئيسا للحكومة يومها قلنا عنه انه رجل المرحلة - وهكذا كان".
وتابع :" في مواجهة حرب تموز الغادرة قاد حركة سياسية ديبلوماسية محكمة وناشطة اجتذبت التاييد العربي والدولي ، كانت محصلتها سندا للمقاومة البطولية على جبهة القتال التي قادها حزب الله بكفاءة عالية واقتدار وتفان وسجلت نصرا مبينا لا لبس فيه على جيش الغزاة . وكان هذا النصر نقطة تحول في مسار الصراع العربي الاسرائيلي في هذه المعركة المشرفة حلق لبنان بجناحيه السياسي والقتالي محاطا بفضاء من تضامن وطني ابرز تجلياته احتضان النازحين، وقد عادوا الى ارضهم ومدنهم وقراهم رافعين رايات العز والنصر، وبعد القتال انبرى الرئيس السنيورة ومساعدوه الى اعادة بناء ما خربه العدوان في كثير من المرافق والعمران والتعويض على جموع المتضررين وسجل له حسن ادارة اموال المساعدات العربية والدولية".
اضاف:"اما معالجة الازمة السياسية التي عصفت بالبلاد فيما بعد لاسباب واسباب اتخذ الرئيس السنيورة مواقف بناءة مسؤولة لجهة صيانته للدستور، برفضه الحازم لمطلب المعارضة باستقالة الحكومة باعتباره مطلبا غير دستوري طالما انها تملك ثقة المجلس النيابي. ولم يغادر موقعه كرئيس لحكومة كل لبنان رغم الشرخ الذي احدثته الازمة، فتصرف كرجل دولة وجنب البلاد الانزلاقات الى مخاطر كانت نذرها قائمة كل لحظة. ولم يرد على الاستفزاز ولم يخاطب الغاضبين في الساحات بغضب مماثل بل حافظ على هدوء اعصابه ورصانته، فصبر وصابر حتى وصلت البلاد الى ما لا بديل عنه وهو التوافق الذي اجمعت عليه في مؤتمر الدوحة وكان ما كان من استئناف المسيرة السياسية الدستورية".
وختم:"بفضل المواقف الشجاعة المسؤولة للرئيس السنيورة وغيره من صانعي القرار الوطني نتذوق الان ثمار استقرار نامل ان يتوطد في عهد الحكومة الجديدة الواعدة ".
المجذوب
ثم القى الدكتور حسني المجذوب كلمة قال فيها:"كانت مدينة صيدا شاهدا في العام 1948 على هزيمة العرب في فلسطين، من شرفات المنازل وجوانب الطرق شاهد ابناء المدينة بالم وغضب قوافل النازحين تعبر شوارعها، بعضها استراح فيها واستوطن وبعضها تابع نحو مصير مجهول. فقد الهبت النكبة المشاعر القومية العربية وفرضت على العاملين في الحقل السياسي اجراء مراجعة نقدية لاستراتيجية النضال القومي،واسفرت هذه التفاعلات عن نشوء حركات واحزاب جديدة اعتبرت الوحدة العربية الطريق الامثل لاستعادة حقوق عرب فلسطين. كانت احداها حركة القوميين العرب، في صيدا انتسب فؤاد السنيورة اليها وهو طالب ثانوي، وابتدأت معها تجربته السياسية والنضالية، وفي بيئتها تعزز شعوره بالانتماء العربي واعتبار قضية فلسطين قضية مقدسة وقضية كل عربي، بالاضافة الى الايديولوجية السياسية كانت الحركة مدرسة في التضحية والاخلاق والمناقبية السياسية".
واضاف:انتقل فؤاد السنيورة في اوائل الستينات الى بيروت لمتابعة دراسته الجامعية في الجامعة الاميركية، وكباقي شباب الحركة انتسب للنادي الثقافي العربي، الذي كان في ذلك الوقت المنبر السياسي والثقافي للحركة، وكان النادي خلية نحل تعج بالنشاط الثقافي الذي يتناول قضايا السياسة والاجتماع والاقتصاد والتاريخ بالاضافة الى الادب والشعر والموسيقى. وكان النادي رائدا في ميادين عدة، نظم اول معرض للكتاب في البلاد العربية، وكان اول من دعا الى ثقافة الحوار، عبر عنها في حينه بدعوة وجهها في اواخر الستينات لجميع الاحزاب اللبنانية الى عرض وتقديم برامجها ومناقشتها من على منبر النادي وقد لبت الاحزاب الدعوة وكان الحوار غنيا وفريدا.
وفي مطلع السبعينات انتخب فؤاد السنيورة لدورتين متتاليتين لرئاسة الهيئة الادارية وفي تلك الفترة نظم النادي الملتقى الشعري الثاني للشعر العربي الحديث.
وبعد انتهاء رئاسته للنادي استمر عضوا في الهيئة الادارية لسنوات طويلة شاركه في بعضها الوزير طارق متري".
وتابع:" في ربوع النادي كان لقاؤنا الاول، و لقاؤنا الثاني كان في مجمع كفرفالوس الطبي والجامعي والثقافي الذي شيده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اجتمعنا في رحابه الى جانب اصدقاء اعزاء ، اعضاء في مجلس الامناء، وقد دمر المجمع بعد اقل من سنة من تشييده اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان 1982".
اضاف:" في منتصف الثمانينات عين فؤاد السنيورة رئيسا لهيئة الرقابة على المصارف، اطلالته الاولى والناجحة على العمل العام، في ادارته للهيئة عرف عنه حرصه الشديد على سلامة العمل المصرفي، مراقبته الدقيقة لاعمالها والتزامها القوانين وعدم التسامح مع اي مخالفة . خرج بعد انتهاء ولايته يتمتع باحترام وتقدير كل العاملين في القطاع المصرفي. ومحطته الثانية عن العمل العام كانت في توليه حقيبة وزير دولة للشؤون المالية، ثم وزير مالية في حكومات الرئيس الشهيد رفيق الحريري. دخل نادي الوزراء مزودا بثقافة سياسية يتجاور فيها الانتماء العربي والولاء للوطن لبنان" .
واستطرد:"كان لبنان خارجا من حرب اهلية دمرت اقتصاده وبنيته ، والمطلوب عادة بناء اقتصاد متين ووضع مالي سليم، مهمة في غاية الصعوبة. شكل الوزير فريق عمل يتمتع بكفاية عالية ، عمل الى جانبهم ساعات النهار والليل الطويلة لسنوات طويلة ساعيا لضبط المصاريف ومعالجة الدين العام. كان يدرك ان سياسته لن تكون شعبية ولن ترضي العديد من السياسيين، وسوف تعرضه لمضايقات وخصومات كثيرة، لم يكترث لذلك ولم يكن يسعى لكسب شعبية رخيصة على حساب الوطن، بسبب سياسته هذه تعرضت وزارة المال للحصار وجرت محاولة تزوير ملف عدلي في حقه بقضية محرقة برج حمود انتهى الملف بحرق اصابع الذين عملوا على تدبيره".
واردف: "المحطة الثالثة من العمل العام كانت بعد زلزال شباط 2005 الذي هز لبنان باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري باني نهضة لبنان الحديثة ورافد طاقاته البشرية بما يزيد عن 30الف شاب جامعي وفر لهم كل فرص التعليم العالي في اهم جامعات العالم وشكلوا خميرة هذه النهضة. بعد 14 شباط المشؤوم كان المشهد السياسي في لبنان شديد التعقيد والخطورة،الكيان في خطر، النظام الديموقراطي مهدد وشبح الحرب الاهلية يلوح في الافق. اختارت ثورة الارز الرئيس السنيورة ليشكل اول حكومة للاستقلال الثاني ولم يلاق هذا الاختيار ارتياحا لدى قوى المعارضة ، التي نظمت حملة تجريح وتشكيك لكفاءته، قيل انه رجل مال واقتصاد والوضع في البلاد يحتاج الى ادارة سياسية ليس لمحاسب. وتولى الرئيس السنيورة المسؤولية وبرهن بسرعة انه رجل سياسة قدير وان محاسبته كانت على الالتزام بالدستور والقوانين وعلى العمل والحفاظ على وحدة البلد وسيادته واستقلاله".
وقال:" مرت خمس سنوات منذ تولي هذه المسؤولية هبط فيها الخطاب السياسي الى ادنى مستوياته الا ان الرئيس حافظ على اداب هذا الخطاب وترفع عن الاساءة لاخصامه . وفي هذه السنوات الخمس واجه شعب لبنان مسلسل الاغتيالات التي استهدفت رجال الاستقلال والفكر والاعلام والجيش وقوى الامن ، في حرب تموز 2006 قاد الرئيس حملة ديبلوماسية مشرفة دفاعا عن لبنان ولوقف العدوان الاسرائيلي . اطلق على حكومته لقب حكومة المقاومة صباحا وبعد ساعات تحولت الى حكومة العمالة. لم يتراجع حين استقال وزراء المعارضة، وصفت حكومته انها شرعية وانها غير ميثاقية الى ما هنالك من فنون الكلام للتغطية على مخالفة الدستور . ثم جاء حصارالقصر الحكومي واحتلال الساحات المحيطة به وبعدها اجتاحت المليشيات العاصمة وكانت حياته في خطر الا انه صمد في موقع المسؤولية. باختصار شديد برهن الرئيس السنيورة انه رجل دولة وواجه اكبر التحديات بصمود وحكمة وشجاعة " خرج من القصرالحكومي ليدخل التاريخ ".
وختم:"قد يجول في خاطر البعض لماذا نكرم الرئيس، واجيب انه في قناعاتنا ان التكريم واجب ادبي واخلاقي لانسان قاد سفينة الوطن عندما كانت تعصف بها اعتى العواصف ووصل الى شاطىء الامان وسلم قيادتها للرجل الذي اختاره الوطن لمتابعة المسيرة نحو غد افضل. وهي رسالة للاجيال الناشئة ان هذا الوطن يكرم من يستحق التكريم" .
بركات
ثم تحدث مدير عام مؤسسات الرعاية الاجتماعية محمد بركات فقال:"الذين عرفوا المكرم الرئيس فؤاد السنيورة في اي مرحلة او منصب شغله، رئيسا للجنة الرقابة على المصارف ومستشارا ماليا ثم عضوا في مجالس ادارة مجموعات مصرفية ووزيرا للمالية تاكدوا من دابه على العمل والانتاج المتصف بالجدية والمقترن بالاتقان والنجاح. كان هو حامل اللواء والمتابع لاحد اهم المنجزات التي تحققت في الدولة اللبنانية وهو اقرار وتطبيق القيمة المضافة التي تحمل السنيورة بخصوصها ما لايحمل لدرجة صار فيها موضعا للتندر . وها قد ظهر بجلاء بان بطل القيمة المضافة كان بطلا بحق الاقتصاد والوطن .
وهناك كثر ممن يعرفون مدى تهذيب ولياقة فؤاد السنيورة وتمتعه بذلك النوع من الهدوء المتصف بالحنكة والدراية والقدرة على الاستعانة بالامثال والشعر وهو دليل ثقافة واسعة وعميقة، هذا هو فؤاد السنيورة المجد والمتقن والناجح".
اضاف:" وبعدما الت رئاسة مجلس الوزراء الى الرئيس السنيورة في اصعب الظروف على لبنان وعليه شخصيا بفقدانه صديق عمره الرئيس الشهيد رفيق الحريري،امكن له ان يقود مرحلة شديدة التعقيد والمخاطر وان يحافظ على موقع الدولة ومكانتها وهيبتها . لقد نجح في ادارة دولة معطلة ابقاها دولة معترف بوجودها وبقي شامخا في السراي الكبير مكتسبا المزيد من الاحترام وطنيا وعربيا ودوليا " .
وتابع: "دولة الرئيس ايها المكرم بالله عليك كيف تمكنت من ان تدير دولة معطلة وان تطلق المشاريع في المدن وعموم المناطق وان توسع شبكات الطرق وتعيد البناء على نحو يعلمه القاصي والداني، المقر والمنكر بان عجلة المشاريع والبناء والنمو لم تتوقف وهي ظاهرة امام كل ذي بصيرة فكنتم الاكتشاف بانكم رجل الدولة الفذ صاحب النهج المقاوم الذي اضاف مجدا على امجاد الوطن.لفؤاد السنيورة اسلوبه المتميز الذي من ضمنه الدفتر الصغير وقلم الرصاص اللذين يفعلان فعلهما ، يكتب في الدفتر ملاحظة ليستذكرها وعبر ما في هذه الدفاتر الصغيرة يحرك فؤاد السنيورة الموتورات حوله وحواليه في الوزارات والادارات يراجعها ويتابع ما فيها فعلا غريب امره في هذه الدفاتر الصغيرة التي كثيرا ما تحرج المقصر واحيانا تحرق قلبه وخصوصا من يعتقد بان الرئيس السنيورة وسط مشاغله سينسى الى ان يتلقى اتصالا هاتفيا منه او استدعاء للمواجهة. اعجابي بالرئيس السنيورة شخصيا ومثلي كثر ، لما يتصف به من وضوح الفكر وقوة العزم فارادته لا تلين، بدليل ان الظروف التي كان البعض ينتظر ان تقسو عليه وهبوب العواصف التي حاصرته زادته صفاء ورحابة صدر" .
وتابع: "من موقع التقدير ان اشير الى موقف رائع يدل على انسانيته ومشاعره الصادقة غير المسبوقة في رجل دولة في لبنان ذلك عندما بكى في ذروة العدوان الاسرائيلي متاثرا بما يتعرض له لبنان من دمار واضرار ودمعت عيناه امام الناس الذين راوه على شاشات التلفزة في هذا الموقف بالذات كان فؤاد السنيورة القائد الانسان المنتصر الذي عبر عن موقف راق ونبيل وعن عاطفة صادقة هي من صفات المؤمن القوي ، الذي قاده الى الحل والخروج من المحنة عزيزا ومنتصرا. هذا الموقف يظهر وطنية الرجل وجوهر انسانيته ويدحض ما عداه".
اضاف:" كما وان دور الرئيس فؤاد السنيورة في الحقل الاجتماعي والانساني كان مستمرا ومتميزا وانني اشهد من موقعي في مؤسسات الرعايةالاجتماعية وبدار الايتام الاسلامية بان كان ساعيا وداعيا للخير ومؤسساته. فعن الجانب الخيري والانساني في شخص فؤاد السنيورة ارجو ان تسمعوا مني وكما قيل:" اذا قالت حذام فصدقوها ، فان القول ما قالت حذام" فانا اشهد لفؤاد السنيورة بانسانيته وجهد ونجاحه في الحقل الخيري ايضا كما قال المتنبي:"على قدر اهل العزم تاتي العزائم وتاتي على قدر الكرام المكارم ".
ولقد كان العمل الانساني الشغل الشاغل للرئيس السنيورة فعندما دمر العدو الاسرائيلي المنازل والطرق والجسور سعى من غير كلل لتامين المساعدات التي نرى نتائجها اليوم ماثلة، وتابع بهمة لا تلين جمع المساعدات وطلب ان توزع مباشرة عبر قنوات ابقاها سالكة على الرغم من تعطيل اجهزة الدولة . كما اضيء على اهتمامات الرئيس السنيورة المستمرة بالمناطق النائية وباقامة المشاريع الاجتماعية والانمائية فيها . فهو كان وراء السعي والعمل والمتابعة لتمويل واقامة وتسيير مؤسسات ومراكز اجتماعية وانسانية في عكار والضنية والمنية وبعلبك وراشيا والعرقوب وصور وانه في كل مرة تعرض عليه شؤون ذات صلة بالفئات الافقر والاحوج فانه يعطيها من جهد وفكره".
وختم :" فيا ضمير المجتمع وصاحب القلب النابض بالوعي والقيم الانسانية،ايها الوطني والعربي الابي، الحاضر هنا في وجدان المخلصين، انك لمستحق لهذا التكريم ولكل تكريم وسينصفك الزمن اكثر فاكثر لانك بطل استمرار لبنان. باركك الله تعالى وبارك للوطن بك وحفظك وزوجتك الفاضلة وابناءك وحفيدك بموفور الصحة والسعادة. وشكرا للنادي الثقافي العربي رئيسا واعضاء ان اتاحوا لي شرف الكلام في هذا المقام كواحد ممن عرفوا فؤاد السنيورة ، وانا اليوم من اكثرهم سعادة لان الساحات والمساحات الزمنية على مدى 40 عاما لم تبعدنا فحديثنا في مجلسك العطر بالمليح والعذب وطربنا عندما تطرب فانت يا ايها الصديق والرئيس الذي احبه المخلصون وقدره اللبنانيون والعرب والعالم لابد ان فيك السر الرحماني بانك تخاف الله ومن يخاف الله تعالى يخاف على الوطن واهله. فهنيئا لك وهنيئا لنا بك ".
الوزير متري
ثم القى ممثل الرئيس الحريري وزير الاعلام الدكتور طارق متري كلمة استهلها بالقول:" يجمعنا النادي الثقافي العربي حول الرئيس فؤاد السنيورة لنجدد معان تعلقنا بها معا ولا نزال، ولنرد اليه قليلا من حسن مودته وصفائها ولنقول له ان ما في القلوب ابقى وهو لا يبلغ دائما السنة الاطراء المردد والعابر مهما تردد".
اضاف:"والحديث عن المكرم الذي اكرمني بصداقته وبها اكرم النادي، لا ينجو من الخفر، فما من مرة سمعت تقريظا للرجل الذي اختار جانب الخير العام وجانب الدولة وارتفع وترفع ولم ينل منه خوف او تقضه خيبة، الا وراودني الاعتزاز بقربي منه ، لاسارع بعد ذلك الى تحفظ يقي من توسل القربى مدعاة للتباهي ويرى فيها حوار حياة جديرا بان يستحق فيغني مرة اثر مرة" .
وتابع: "اما مبرر الخفر الثاني فهو ان لقاءنا في كنف النادي ينفتح على احتمالات الحنين، والحنين يجر المسافة وراء ويظهر التطلع الى غد " مشرق وعزيز" وكانه مغامرة او مخاطرة شعرية . وهو ياخذنا برفق يجمل ما احتجب عن مشهدنا اليوم. ويتوق بالكلمات الى مدلولها الاول بعيدا عن التباساتها الحاضرة، ويجعل الكلام، كما الكتابة، اقترابا واغترابا يتبادلان الماضي والحاضر، والارتجال والتامل، والبداهة والصناعة. وهو يلد مرة من جرح ومرة من زيارة الذاكرة وكانها متحف او بستان، فتصير بعد ذلك وكما يقول محمود درويش "كالماشي تحت المطر واحدا في اثنين : انت ومن كنته في شتاء اخر ".
وقال: "لعلي مشيت تحت المطر الى جانب فؤاد السنيورة، في سنوات الكد والمكابدة الماضية، ورايته واحدا في اثنين : هو ومن كانه، في لبنانيته كما في عروبته، لا تنتقص واحدة الاخرى ولا تستغرق فيها، ولعله يذكر كما يذكر الكثيرون من جيل اخذه الحلم الكبير، ان حيوية بيروت المكتوبة من " تعب وذهب" والتي ساهم فيها النادي الثقافي العربي عاما بعد عام، كانت حجة للعروبة في خصوبة وعودها وحجة عليها في مرارة اخفقاتها. وكنا مع فؤاد السنيورة في نقف في وجه المتوجسين من عروبة تهدد المصير اللبناني وتبرر تدخل الاخرين في شؤون حياتنا. يومها اختلطت دوافع السجال ولغاته في مسائل العروبة واللبنانية وغلبت عليها محركات الصراع السياسي، المحلي منه والطائفي. ثم كانت الحرب التي فجرها اللبنانيون وانفجرت بهم ان تذهب بالانتماء اللبناني المشترك الى غير رجعة، ولم يكن ذلك انتصارا للعروبة على اللبنانية بل انكسارا للبنانية امام الطائفية، وعندما خرج اللبنانيون لم تخرج الجماعات اللبنانية مشدودة الواحدة الى الاخرى، رغم القول بارتباط المصائر وقيمة الخبرة المشتركة ونمط حياة هو ثمر تاريخ معاصر، لكنه ظهر بعد حين لون من الوان التعلق المستجد بلبنان موحيا بتراجع الاكتفاء الذاتي لدى الجماعات اللبنانية كلها، صار توق الناس الى الدولة صنوا لتوقهم الى التعامل مع ابناء الطوائف الاخرى وظهر ميل للاعراض عن السجال في امر العروبة،اكان ذلك اجتنابا لايقاظ فتنة لم تتم عميقا بعد او مصالحة واقعية مع عروبة لبنان، بعد ان يسرها مبدئيا اتفاق الطائف حين اكد ارتضاء الجميع له وطنا نهائيا".
اضاف :" هذه المصالحة الواقعية بين اللبنانية والعروبة تسارعت عند تسارع التاريخ اللبناني بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وتلاقي اللبنانيون في لبنانية جديدة من شانها ان تسهم في عروبة جديدة، وشغلت هذه المصالحة فكر فؤاد السنيورة وممارسته السياسية، وصح ذلك في الداخل حيث نراه مشدودا الى توحيد اللبنانيين حول مشروع الدولة، وفي الخارج بصورة الدفاع عن لبنان وعن القضايا العربية، اولها قضية شعب النكبة الموزع بين الاحتلال والمنافي، وعمل من اجل تعزيز القدرة على التوفيق بين تطلع اللبنانيين الى بناء وطن لا يكون مرمى لاحجار طائشة في لعبة اقدار، ولا ساحة مفتوحة او ارض منازلة وبين التزامهم قضايا العرب واولها قضية المواجهة مع اسرائيل فلم يقل بتعليق بناء الدولة الواحدة حتى انتهاء الصراع العربي الاسرائيلي والصراعات العربية العربية التي تلبس لبوسه. غير ان ذلك لم يعن عنده انعزالا للبنان او استراحة له من واجب انهكه حتى بات دولة مواجهة وحيدة ولا من يساندون ، بل رأى ان تحقيق المصالحة بين هوياتنا المتنوعة وحقوقنا المتعددة في السياسة والثقافة هو المدخل اللبناني الى تجديد العروبة ولهذا ارتفع صوته فوق ضجيج القبائل واهل العصبيات الصغيرة" .
وتابع:"وافترضت هذه المصالحة عند فؤاد السنيورة توفيقا ثانيا بين الحق في السيادة الوطنية، الذي لم تتنازل عنه اي دولة عربية مهما علا صوتها القومي، والاعتراف الواقعي بالخصوصيات فلا يكون طلب السيادة والاستقلال سلاحا يشهر في وجه العروبة، ولا تكون العروبة ستارا تختبئ وراءه ارادة قوة تهيمن على مصائر الافراد والجماعات والمناطق وتستبد بحقوقها".
واضاف: " عرف الرئيس السنيورة خلال السنوات الصعبة التي ارادها، رغم كل شيء وبسبب من كل شيء، سنوات اصلاح ونهوض ، ان هناك قوى لم تسبر بعد وان طرقا لم تسلك بعد ، فلم يالف الانسداد الذي ما انفكت تامر به المماحكة السياسية وسياسة الكيد والخصومة ولم يرتضيهما ومعهما بل قبلهما فائض القوة اكان شعوري التراكم ام عسكري المنشا او الاثنين معا. ولم يستكن للافتراضات التي تتركب منها حياتنا السياسية في اليوميات كما في المصيريات، ففي بعضها اختلاق بحت قاسى منه الكثير لاسيما بعد عدوان تموز، وفي بعضها الاخر تظاهر او اصطناع يفضي بحقيقة الامر الى نزع السياسة عن السياسة، فظل بعيدا منه بعده عن المخاتلة وبيع الاوهام" .
وتابع :" ولان الطائفية لم تعد خجولة ولم تعد محتاجة الى مساعدة او تمويه عن طريق خطاب الهوية والايديولوجية، غاب التحايل عن المطالبة الطائفية والاتهام الطائفي وازدادت النعرات، وهي عنده مرض او وسواس، وهي في اصل سياسات تتغذى من الصراع على الدولة وتقوض وحدتها وادوار مؤسساتها بل تفتك بها، واحدة بعد الاخرى. نعم ظلت عينه على الطرق التي لم تسلك بعد، وظل يعمل لبناء ثقافة المواطنة، ثقافة الدولة الواحدة وثقافة المجتمع المتنوع في الوحدة، وبعبارة اوضح ظلت الثقافة عند فؤاد السنيورة مشروعا للمواطنة، فهي منظومة قيم ترسم فيما بينها فضاء مشتركا لا ينفي الخلافات والاختلافات بل ييسر تدبير امرنا معها".
اضاف:" وبهذه الثقافة، وبالثقافة التي يعاشرها في الفكر الديني والفلسفي والادب والشعر والموسيقى يقوى على الضيق والشدة والملل وانعدام المعنى والسؤال الموجع عما اذا كنا نجري احيانا وراء سراب . اما اصدقاؤه لفهم بالاضافة الى الثقافة، قادرون على الاستعانة ايضا بصلابته وهي راسخة ومستقرة في سكينته، ويحضرني ها هنا انني ذهبت اليه غير مرة وكان التهويل والوعيد يحيطان بنا من كل جانب لاحس بسكينة تنساب من عوالمه الداخلية الى عينيه، تنزل الى اوراقه فيتلو اية كريمة او تردد شعرا وتدندن لحنا ".
وختم :" وفي هذه السكينة الساكنة عند تلاقي صبره وعزيمته نجد بعضا من سره وبعضا من غربته عن الذين حل بهم هوس الجاه وهوى الوجاهة، وهو السر الذي اذا ما انكشف المزيد منه امام ناظريك وفي عين قلبك تدرك ان العلاقة الطيبة التي نشات بفضل النادي الثقافي العربي هي صداقة حق ليس لها اخر".
كلمة الرئيس السنيورة
ثم القى المحتفى به الرئيس السنيورة كلمة قال فيها:" ليست المرة الأولى التي نلتقي خلالها بالنادي الثقافي العربي. فاللقاء مستمر منذ الستينات من القرن الماضي، حيث كان النادي وما يزال بيئة بارزة من بيئات الانتماء والتنوير والالتزام والمسؤولية في بيروت ولبنان. لقد ناضل النادي الثقافي العربي وأعضاؤه دائما من أجل لبنان العربي الديموقراطي المتقدم والمنفتح، في الثقافة والعمل السياسي الوطني والقومي. وخلال الحرب والنزاع الداخلي ظل النادي بيئة للتواصل والتعدد والتمازج ونصرة خيارات العيش المشترك والانتماء القومي العربي الحضاري والسياسي. وكما سبق القول، فإن تواصلي مع النادي لم ينقطع منذ حوالي العقود الأربعة مستفيدا من توجهه وأطروحاته وأنشطته، أو رئيسا له أو عاملا في صفوف نخبته وإدارته، وداعما لمشروعاته، مثل معرض الكتاب العربي والدولي، طليعة معارض الكتاب ومنتدياته في العالم العربي. وسنبقى معا نحن والنادي الثقافي العربي ما بقي الأمل والعمل من أجل الوطن والدولة والأمة".
اضاف:" عندما تحدث إلي الإخوة في النادي الثقافي العربي بشأن الدعوة إلى لقاء للتكريم، انصرف ذهني على الفور إلى النادي وتجربته على مدى قرابة العقود الستة في فترات المد القومي وفي فترات تراجعه، وإلى تجربتنا جميعا خلال العقدين الماضيين وكذلك إلى تجربتنا خلال السنوات الخمس الماضية، ولذلك اعتبرت الأمر فرصة للتحدث وتبادل الرأي والخبرات، وإجراء مراجعة معمقة لكل ما يجري معنا ومن حولنا وبالتالي يكون علينا نحن اللبنانيين كما يكون على النخب العربية القيام بها من أجل التقييم واستشراف المستقبل القريب، ولنتبين كيف لنا أن ندفع نحو ما يمكن أوطاننا العربية ومنها لبنان ليكون لنا جميعا دور فاعل ومؤثر في محيطنا وفي العالم الأوسع".
وتابع:"لدينا بالطبع واقعة الوقائع التي بدأ كل شيء بها، أو انتهى كل شيء إليها، وهي اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط عام 2005. وقد تلا ذلك الانسحاب العسكري السوري من لبنان، وحصول الانتخابات النيابية التي أدخلت تبدلات على وقع حدث 14 شباط، وثورة الأرز، ما أمكن حدوث شبيه لها منذ العام 1992. وبمقتضى هذه المتغيرات والتطورات تم تكليفي برئاسة الحكومة، ولا أرمي هنا إلى تكرار وقائع ما حدث، لكنني أود القول إنني حددت لنفسي آنذاك أربعة أهداف عامة، كانت هي على وجه التقريب لسان حال قوى 14 آذار بل والكثرة الكاثرة من اللبنانيين: صون الدولة والنظام، وإحقاق العدالة، والمضي في استكمال تطبيق اتفاق الطائف للحؤول دون الخروج منه وعليه والسير في مسارات الإصلاح والنهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وبقدر ما تبدو هذه الأهداف عامة وبسيطة عندما ننطق بها، بقدر ما كان السعي إليها تحديا بالغ الصعوبة، إلى جانب التحدي الآخر الذي برز بقوة وهو التقصد إلى جعل لبنان ساحة بديلة للصراعات الإقليمية والدولية. وفي نطاق هذين العاملين، عامل تحدي إحقاق العدالة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وإضعاف النظام أو إلغائه من جهة أولى، وعامل الصراعات الإقليمية والدولية على أرض لبنان من جهة ثانية، يمكن تأمل الأحداث الفاجعة والمتلاحقة بشكل غير مسبوق وعلى مدى قرابة السنوات الخمس، وأهمها: مسلسل الاغتيالات والتفجيرات والأحداث الأمنية المتنقلة بين المناطق اللبنانية، وعدوان تموز عام 2006، والاعتصام والحصار وإقفال مجلس النواب، وحرب فتح الإسلام، والإرهاب على الجيش اللبناني وعلى لبنان وأهله واقتصاده، وأحداث 7 أيار عام 2008، وقبلها تأخر انتخاب رئيس للجمهورية بعد انتهاء المدة الممددة للرئيس إميل لحود... وأخيرا الانتخابات النيابية الثانية ونجاح وبقاء الأكثرية السابقة، وفي ضوء ذلك تشكل حكومة الائتلاف الوطني والوفاق برئاسة الرئيس سعد الحريري".
وتساءل كيف ننظر إلى المرحلة السابقة حتى الانتخابات النيابية في مطلع حزيران عام 2009؟ الواقع أنه يمكن النظر إليها بمقاييس ووتائر العمل السياسي والجماهيري والمؤسسي بالداخل، كما يمكن النظر إليها في السياقات الإقليمية والدولية. ولأن السياقات الإقليمية والدولية كانت قوية دائما، فإن اللبنانيين اعتادوا على الحديث عن حروب الآخرين على أرض لبنان. ولكن من أجل التصحيح والموضوعية والاستقامة في المعالجة أريد النظر إلى المرحلة السابقة بمنهج ثالث إذا صح التعبير، هو منهج الدراسة والمراجعة على أساس ما تحقق من الأهداف الموضوعة، وليأت النظر في العوامل الفردية والداخلية والسياقية، من خلال الإمكانيات والخيارات التي كنا نمتلكها لتحقيق الأهداف، وكيف جرى التصرف فيها أو من خلالها. وعلى سبيل المثال، فإننا وضعنا هدف إحقاق العدالة، ضمن الأهداف الأربعة الرئيسية منذ العام 2005. وقد بدأ السير بالفعل نحو هذا الهدف بقيام المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري وسائر الشهداء الذين تلوه. وهذا إنجاز يستحق الذكر والاعتبار لكونه يسهم وبشكل أساسي في عدم استمرار لبنان بلدا ترتكب فيه جرائم القتل أو الاغتيال السياسي ويبقى المجرم طليقا لا تصل إليه يد العدالة. لكن ذلك لن يفهم على حقيقته إلا بفهم الاعتبارات التي دفعت باتجاهه، والإمكانيات والخيارات الأخرى التي كانت متاحة إن كانت كذلك، وأخيرا التداعيات التي أدى إليها هذا الخيار أو هذا الإنجاز".
اضاف:"على أنه إذا كان النظر ضروريا حتى عند تحقق الهدف في الظروف والإشكاليات المحيطة به - فمن الضروري أيضا النظر في العوائق والعقبات التي حالت دون تحقيق هذا الهدف أو ذاك، وأين كان يمكن للكفاءة السياسية والعمل الوطني والديبلوماسي أن تحول دون حدوث الأسوأ وسط الظروف المدلهمة؟ فرجل الدولة والعمل العام ينبغي أن يضع ضمن إمكانياته العمل السياسي الوقائي في الظروف غير الملائمة للقيام بعمل إصلاحي كبير. وأقترح هنا خطا فاصلا بين مشهدين: المشهد اللبناني من الانتخابات النيابية عام 2005 وحتى حرب تموز عام 2006. والمشهد الآخر من خريف العام 2006 وحتى اتفاق الدوحة عام 2008. خلال المشهد الأول كانت هناك تباينات سياسية كثيرة، وحصلت توترات، وتصاعدت فيها الاغتيالات والتفجيرات. لكن بقيت هناك قواسم مشتركة تجلت في الحوار الوطني الأول، والذي أجمع المتحاورون فيه على ثلاثة أمور هي: المحكمة الدولية، وإنهاء السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه داخلها، وترسيم الحدود مع الشقيقة سوريا. لكن بعد حرب تموز عام 2006 بلغ الخلاف بين الأطراف السياسية وهدة الانقسام العميق على كل المستويات، والذي وصل ذروته في فاجعة 7 أيار 2008. ووسط هذا الانقسام الذي تتعدد علله من الصراعات الإقليمية، وإلى خيار إحقاق العدالة، فإلى الحزازات بين الأطراف، ما عاد الحراك ممكنا إلا بصعوبة شديدة، وتضاءلت الاعتبارات كلها إلا اعتبار الحفاظ على الهدف الأول من الأهداف الأربعة: صون الدولة والنظام.
وهكذا يمكن القول وبدقة شديدة بعد هذه المحترزات، أنه في شهر تموز من العام 2005 عندما تشكلت حكومتي الأولى، كانت لدينا ضرورتان وليس هدفان فقط، وهما: صون الدولة والنظام، وإحقاق العدالة. أما الأمران الثالث والرابع الذي كان التفكير بشأنهما والعمل عليهما ممكنا بل ومستحسنا فهو: استكمال تطبيق الطائف، والمضي في الإصلاح، وهما أمران تعرضا للعرقلة كثيرا في فترة الوصاية السورية على لبنان".
واستطرد "وصحيح أن الضرورة قد تعني الحد الأدنى. لكن الحد الأدنى السياسي والعسكري والأمني، ليس سهل التدبير والتنفيذ. لقد جرى انتهاك حرمات الدولة ونظامها بالداخل. لكننا استطعنا الحفاظ على أسس الدستور والنظام، فما أمكن من الناحية السياسية وطوال حوالي العامين إسقاط الحكومة من الشارع أو بالسلاح. وفي ذروة مآسي حرب تموز عام 2006 أمكن لنا الوصول من خلال النقاط السبع إلى القرار الدولي رقم 1701 الذي أعاد الجيش للجنوب، وأوجد الصيغة التي تعيدنا إلى خط الهدنة وقواعدها بعد التحرير. وإذا أضفنا إلى هذه الضرورة التي تحققت أو الإنجاز الضروري الذي تمثل في مسألة السير نحو إحقاق العدالة من خلال المحكمة، نستطيع القول إن الدولة اللبنانية انحفظت، كما أن النظام ما سقط وإن نالته خدوش وجراح هي في الحقيقة جراح في أجسادنا ونفوسنا، لا تلتئم إلا بالاستقرار وبالعمل السياسي الجاد، وبوصول لبنان إلى درجة من المنعة تحول دون استخدامه ساحة بديلة للصراعات الإقليمية والدولية".
واردف:"إن العمل في مجال صون الدولة والنظام في السنوات الخمس الماضية كان شاسعا وكبيرا. ولا أود تركه بدون المزيد من التأمل. إنما أود في السياق ذاته التحدث عن الهدفين الثالث والرابع للحكومتين: العمل على استكمال الطائف، والمضي في ورشة الإصلاح. وقد كان أملي في الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري والاجتماعي كبيرا رغم تشاؤم الكثيرين ممن تحدثت وتداولت معهم في ذلك الوقت. المتشائمون كانوا يذكرون احتلال العراق، والسياسات الأميركية بالمنطقة، وتصاعد العنف الإسرائيلي ضد الإخوة الفلسطينيين في الضفة وغزة، كما يذكرون اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ويشيرون أخيرا إلى تجذر القوى التي لا تريد الإصلاح في الحياة السياسية والإدارة اللبنانية، ويرتبون على ذلك كله نتائج أو خلاصات ترى التمسك بالاستقرار، وإبقاء القديم على قدمه. وكنت أرى أن الآثار التي أحدثها اغتيال الرئيس الحريري والتي أدت إلى انتفاضة الاستقلال، تعني أن اللبنانيين يريدون التغيير ويسعون إليه، وأن الحفاظ على الاستقرار بالذات يتطلب الحراك التغييري من أجل تعزيز زخم ورشة الإصلاح في أي مجال نقدر عليه، بما يؤدي من جهة أولى إلى تعزيز استقلال وسيادة لبنان وقراره الحر، والحفاظ أولا وآخرا على الوضوح في انتماء لبنان وعلاقاته العربية ولاسيما مع الشقيقة سوريا على قواعد متينة مبنية على الاحترام المتبادل وعلى ضرورة صيانة وحفظ المصالح المشتركة، وبما يعزز العمل العربي المشترك على مختلف الصعد".
اضاف:"الحقيقة أنه ليست لدى اللبنانيين مشكلة مع وطنهم ودولتهم، وإنما المشكلة الدائمة في العمل على تعطيل النظام السياسي وافشال فعاليته وإمكانيات تطويره بشكل صحي. فالدولة هي الثابت الذي يجمع، وهي العيش المشترك والانتظام العام لهذه الملايين الأربعة. وحتى في أقسى الظروف في خضم النزاعات الداخلية، والحرب الأهلية، ما داخل الخلل وعي اللبنانيين بالوطن والدولة. في تلك الظروف القاسية عام 1983 حين كان اللبنانيون مختلفين على كل شيء تقريبا، اجتمع كبار المسلمين وعلى رأسهم الكبيران المفتي الشهيد حسن خالد، والعلامة المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين وأصدروا وثيقة "الثوابت العشر" حول نهائية الكيان اللبناني تجديدا للوعي بالوطن والدولة، وتلاقيا مع إخوانهم ومواطنيهم المسيحيين. ولماذا نبتعد إلى هذا القدر؟ كل تجارب السنوات الماضية الكبرى من استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وإلى حرب تموز والاعتصام والانقسام السياسي، وإرهاب فتح الإسلام، وأحداث 7 أيار، هي جميعا اختبارات وتجارب واستفتاآت على إيمان اللبنانيين بالوجود الإنساني والسياسي للوطن والدولة. وقد نجحنا نحن اللبنانيين في تلك التجارب والاختبارات، لأنها تعلقت جميعا بالوجود الإنساني، وبالعيش المشترك، وببقاء لبنان، وهي أمور لا تحتمل الخفة ولا الثوران، ومن جانب أكبر اللبنانيين إلى أصغرهم. ومن يريد دليلا إضافيا على معنى لبنان ودولته، والحاجة إلى هذه الصيغة الفريدة من العيش المشترك، لدى اللبنانيين ولدى العرب والعالم فليعد إلى مشهد جلسة مجلس النواب التي انتخب فيها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ومن حضرها معنا من رجالات العرب والإقليم وأوروبا والمؤسسات الدولية والعالم. فالعمل إذن، ينبغي أن يتجه إلى إصلاح الحياة السياسية وتطويرها، لصون الدولة، وصون الاستقرار، وتحسين حياة المواطنين. وقد كان ذلك في وعي الكثيرين منا عندما تشكلت الحكومة الأولى بعد انتخابات العام 2005، وكان الهدفان الثالث والرابع فيها إلى جانب صون الدولة، وإحقاق العدالة، المضي في عملية استكمال تطبيق اتفاق الطائف والسير في طريق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. نعم، كان لا بد من تغيير في طرق إدارة الشأن العام، وبعدة اتجاهات، للخروج من الأوضاع السابقة للوصاية والقصور والعجز والعرقلة، واجتراح المنافذ، وصنع الفرص، وكل ذلك لجعل الدولة نقطة جذب لدى المواطنين، وإقدارها على التصدي للمشكلات من جهة والتلاؤم مع متغيرات العصر وعصر العالم".
وتابع:"وعلى ذلك وبعد أيام قليلة من تشكيل الحكومة أنشأنا الهيئة الوطنية لوضع قانون جديد للانتخابات إذ أن الإصلاح في قانون الانتخابات هو جوهر الاصلاح السياسي. والجميع يعرف أن قانون الانتخابات ظل المشكلة الرئيسية في النظام السياسي اللبناني منذ الطائف. ثم إننا أقررنا إعادة الاعتبار لقانون إنشاء الجمعيات بما يعني تعزيز الحريات وممارستها في كنف القانون. وسعينا من أجل إعادة تشكيل المجلس الاقتصادي الاجتماعي. وشرعنا في هذا السبيل وعملنا على تعزيز أوضاعنا الاقتصادية والمالية من خلال إطلاق حيوية الاقتصاد من خلال السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية الرصينة والمبادرة ومن خلال تعزيز إسهام القطاعين العام والخاص والإعداد لمؤتمر باريس-3، وشرعنا في تنفيذ ورش عمل من أجل إصلاح الإدارة والضمان الاجتماعي والإداري، وحل مشكلة الكهرباء. وتقدمنا في سبل شتى وكثيرة للاصلاح الاقتصادي والاجتماعي بالإجراءات السريعة، ومن خلال القوانين ومشاريع القوانين، والتعاون مع المجلس النيابي من ضمن مبدأ فصل السلطات وتعاونها. وليس هذا هو المجال أو الموقع للحديث عن مآلات هذه السياسات الإصلاحية، فبعض منها ما أمكن قوده إلى نهاياته بسبب الانقسام السياسي. لكن ذلك العمل الكثير والدؤوب مكن النظام من الصمود في حرب تموز وإعادة الإعمار والتي كانت بشهادة المؤسسات الدولية أسرع وأفعل عملية إعادة إعمار بالمقارنة مع دول كثيرة في أكثر من منطقة في العالم تعرضت للكوارث خلال العقود القليلة الماضية. ولقد مكننا ذلك من الصمود في فترة الاعتصام والتعطيل، ومكننا من تجاوز الأزمة المالية العالمية دونما أضرار. وها هو الاقتصاد اللبناني يحقق نموا حقيقيا مستمرا وغير مسبوق في السنوات الثلاث الأخيرة، وينجح أيضا في أن يحقق ذلك بأدنى نسب تضخم بالمقارنة مع ما عانت منه جميع الدول المجاورة. وكل ذلك كان يدفع باتجاه الاستقرار والاستمرار في نهج الإصلاح والنهوض السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي. كما نجحنا في إجراء الانتخابات النيابية للمرة الأولى وفي يوم واحد وبشكل حاز على رضى اللبنانيين وعلى تقدير المؤسسات الدولية ذات الاختصاص وبما عزز صورة لبنان الديمقراطي والحر والمؤمن بمبدأ تداول السلطة بالطرق السلمية. وهذا كله فتح أفقا جديدا للبنان، الدولة المستقلة والقادرة والباعثة على الثقة لدى العرب والعالم، بحيث انتخب لبنان مؤخرا عضوا غير دائم في مجلس الأمن".
واوضح " رغم أن المناسبة احتفالية وتكريمية، فإنها قطعا ليست مناسبة للتمدح أو ادعاء الصحة والسلامة والنموذجية في كل الأمور. إن الأمر الحقيقي والباقي يكمن في مفهوم السياسي ورجل الدولة والعمل العام. رؤية رجل السياسة والدولة لمهام الشأن العام والخدمة العامة، ورؤيته لطرائق العمل السياسي ووسائله، هي ذات تأثير كبير في البدايات والمآلات. ولقد رأيت دائما في مختلف المهام التي توليتها مصرفيا أو أستاذا جامعيا أو وزيرا أو رئيسا للحكومة أو نائبا، أن السياسة، أي إدارة شؤون الناس وخدمتهم هي أمر سام، بل إنها أشرف الأمور. وهذا الشرف يتناول المهمة نفسها، كما يتناول الغاية منها، وهي الخدمة العامة. والغاية الشريفة تقتضي وسائل شريفة أو مشرفة للقائم بها، ولمن يقوم بخدمتهم في أي موقع كان. وما دام الأمر كذلك، أي شرف المهمة وشرف الوسيلة والغاية، فإن على رجل السياسة أن يتحسب للآثار والتداعيات للسياسات التي يسير فيها، ليس حفاظا على نبل المقصد والسمعة وحسب، بل ولأن الآثار في سياسات الرجل العام تتجاوز شخصه إلى مصالح وآمال كثير من الناس. فالسياسة كما يقول الفقيه والمفكر السياسي أبو الحسن الماوردي، هي: قضاء الفرض، وعمارة الأرض. وقضاء الفرض هو العمل الدؤوب لحفظ الانتظام العام باعتباره واجبا وليس ميزة- وعمارة الأرض، هي العناية بشؤون الناس، والالتزام بقضاياهم ومصالحهم. ولست ممن يستكينون إلى مقولة أن رضا الناس غاية لا تدرك، بل لا بد من السعي الدائم والاحتياط بحيث يحظى التصرف أو السياسة وبشكل واع، في محصلة الأمر بقبول معظم الناس الذين يعمل معهم السياسي ولهم. أما الركن الآخر للسياسة أو إدارة الشأن العام فهو المتابعة والاتقان. فالسياسة فن وصنعة واختصاص. وقد سمعت وقرأت الكثير عن مساوئ السياسي المحترف. لكنني ظللت مقتنعا أنه لا إتقان ولا نجاح من دون إخلاص وتفان. فقد يصل المرء إلى منصب بالمصادفة أو ما يسمى بالحظ. لكن الإتقان يتطلب الدأب والمتابعة والإصرار، والتعلم من الأخطاء، وتكرار المحاولة".
اضاف:"في هذه الأزمنة العربية البالغة الصعوبة، فإن العمل في الشأن العام قد لا تكون فيه انتصارات أو أمجاد، بل المجدي والباقي الأمانة للنفس وللمهمة ولآمال الناس ومصالحهم. في أزمنة النهوض والصعود تكون الأمجاد بالنسبة للأفراد تحصيل حاصل لوقوعها على مستوى الأمة. وفي أزمنة المحنة والجمود، يصبح الصمود الداخلي لدى الأفراد والجماعات ضرورة يقتضيها البقاء، ويقتضيها التمرد على اليأس، والإعداد للمستقبل. والذي أرجوه أن يكون لبنان مع تشكل حكومة الائتلاف والوفاق برئاسة دولة الرئيس سعد الحريري قد خرج من الوهدة. لكني أيها الإخوة مثلكم شديد القلق، فحين انعم النظر إلى الأمام في ضوء التجارب التي مررنا بها، يزداد قلقي، وما يقلقني هو إحساسي، وربما تشاطرونني ذلك، أن مسيرة الانحدار القومي كانت وما تزال كبيرة وعميقة، ولهذا لا بد من شحذ الفكر والعزيمة لمحاولة النهوض من مكان ما، وهنا لا أجد هذا المكان إلا عبر الإرادة أولا والتلاقي ثانيا والموقف الموحد ثالثا".
وتابع:" وفي هذا علينا إعادة التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية والضرورة الملحة هي لإجراء المصالحة الفلسطينية كمدخل لايجاد حل عادل لها، يعيد الحق إلى أصحابه وهذا بالتوازي مع العمل الجاد على تحقيق المصالح العربية المشتركة على مختلف المستويات وعلى وجه التحديد من أجل تعزيز جهود التكامل الاقتصادي والتنموي العربي".
وخلص الى القول:" أشكر للنادي الثقافي العربي إقامته هذا الاحتفال التكريمي. وأشكركم أنتم الذين واللواتي استجبتم للدعوة. وإنني لأعتبر ذلك دليل مودة وثقة. لقد كان الأمر امتحانا أرجو أن نكون قد سلكنا فيه مسلك العاملين المسؤولين أمام الله وأمام اللبنانيين والعرب وأمام أنفسنا. والمقياس في هذا المجال واضح، فقد كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يسأل نفسه ومحاوريه: لماذا ينشئ الناس دولا وأنظمة؟ ثم يجيب: يقومون بذلك لتحسين حياتهم، وصون مصالحهم الوطنية والقومية. فكم مضينا وأنجزنا في نطاق هذين الهدفين، وكيف نتابع العمل، مستفيدين من التجربة، ويحدونا الأمل والثقة بالله ثم بالناس.
قبل مدة أهداني صديق لوحة علقتها في مكتبي خط عليها بيت أبي الطيب المتنبي الشهير:
وحالات الزمان عليك شتى وحالك واحد في كل حال
لقد كان دهرا طويلا في حياة قصيرة. ونحن كما يقول الشاعر العربي الكبير محمود درويش:
"نمشي إلى غدنا واثقين من الشمس
في أمسنا
نحن والأبدية سكان هذا البلد"
ويبقى النادي الثقافي العربي، وتبقى بيروت، ويبقى لبنان.
دروع تقديرية
وفي الختام قلد رئيس النادي الثقافي العربي عمر فاضل ورؤساء النادي السابقون الرئيس السنيورة درعا تقديرا ووفاء له على مسيرنه السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنضالية . ثم اقامت فرقة كورال الفيحاء حفلا خاصا للمناسبة.
