الرئيس السنيورة: حزب الله لن يسلم المدانين والحكومة مرتبكة

اجرت قناة الحدث من محطة العربية حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة تركز على قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بادانة عناصر من حزب الله في الجريمة وفي ما يلي نصه:
س: انطلاقاً من بيان وزارة الخارجية السعودية، كيف يمكن أن نبني على هذا البيان، خصوصاً في الشق المتعلّق بدعوة المجتمع الدولي للاضطلاع بدوره في مساعدة لبنان وشعبه في تحقيق العدالة والقبض على هؤلاء المتهمين؟
ج: بدايةً، تحياتي لك ولجميع المشاهدين. لقد صدر البارحة قرار عن غرفة الاستئناف في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، قضى بالإدانة والحبس المؤبد على اثنين من اللذين شاركوا بعملية إغتيال دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهما: حسن حبيب مرعي وحسين عنيسي، لينضما لشريكهما الثالث الذي هو سليم عياش الذي كان قد صدر حكم بحقه عن هذه المحكمة بالإدانة.
إنّ صدور هذه الاحكام عن هذه المحكمة الدولية يؤكد على أهمية القرار الذي اتخذ من قبل الحكومة اللبنانية آنذاك، لجهة المطالبة بإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والتي تأسَّست بموجب القرار رقم 1757 الصادر عن مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، لكي تكشف وتدين المجرمين، حتى لا يبقى أولئك الجناة بمنأى عن العدالة، وهي العدالة التي افتقدها لبنان طويلاً، بشأن ما حصل لمجموعة كبيرة من جرائم الاغتيال السياسي التي عانى منها لبنان على مدى عقود طويلة ماضية.
في هذا الصدد، لا بد لي من أن أنوّه بالموقف الأخلاقي والسياسي الذي اتخذته وزارة الخارجية السعودية بدايةً في ترحيبها بقرار المحكمة لجهة الادانة والحبس المؤبد على اللذين شاركوا بارتكاب هذه الجريمة. الأمر المطلوب الآن، أن تبادر الحكومة اللبنانية لتأييد هذا القرار، وأن يتولى بالتالي القضاء اللبناني إلى إصدار مذكرات التوقيف بحق هؤلاء الجناة من جهة أولى. كما أنّه، وعلى حزب الله من جهة ثانية، أن يعمد فوراً الى تسليمهم إلى السلطات اللبنانية لتتولى بدورها تسليمهم إلى المحكمة الدولية.
أتوقف هنا لأقول إنني أعتقد أنّ حزب الله لن يقدم على تسليمهم، إذ أنه وعطفاً على كل الممارسات التي مارسها الحزب حتى الآن- والمتمثلة برفضه الاعتراف بشرعية الحكومة اللبنانية، ورفضه لشرعية المحكمة الدولية. والكل يعلم أنّ السيد حسن نصر الله قالها بصراحة متناهية ومرات عديدة، أنّه لن يسلم أولئك المتهمين عندما تصدر الادانة والحكم عليهم حتى ولو بعد 300 سنة.
هذا الموقف يعبّر عن طبيعة الممارسات الذي عهدناها من حزب الله في لبنان، وهو الذي لايزال يختطف الدولة اللبنانية ولا يعترف بسلطتها، ويحول دون أن تتمكن الدولة من أن تقوم بدورها وتتولى سلطتها الكاملة، ويرفض أن تكون لديها القدرة على ممارسة قرارها الحر. هذه المواقف والممارسات التي يقوم بها حزب الله تؤدي إلى إلحاق الضرر الاكيد بلبنان وبأوضاعه العامة، والتي أصبحت تتسبّب له بانهيارات حقيقية على جميع الأصعدة الوطنية والسياسية والأمنية والاقتصادية والمعيشية والمالية في لبنان. ناهيك عما تتسبب به من اختلال في التوازنات الوطنية الداخلية للبنان، وأيضاً في التوازنات الصحيحة في سياسة لبنان الخارجية، وفي علاقات لبنان مع أشقائه وأصدقائه في العالم.
أودّ ان أؤكد هنا أنّ حجم الضرر الذي أصبح يحيط بلبنان بسبب إطباق وسيطرة حزب الله والأحزاب المؤتلفة معه على الدولة اللبنانية، أصبح كبيراً جداً، ولا يمكن للبنان أن يخرج من الآثار المدمرة لهذه السيطرة ما لم تستعيد الدولة دورها وسلطتها الحصرية على كامل أراضي ومرافق الدولة اللبنانية. وأضيف هنا، أنّه لو جرى اعتماد كل الإصلاحات التي يقترحها صندوق النقد الدولي على لبنان، فإنها سوف لن تكون كافية إن لم تستطع الدولة أن تعود لممارسة سلطتها الحصرية على جميع الأراضي اللبنانية، وبالتالي أن يتخلى حزب الله عن هذا الاختطاف الذي لايزال يمارسه على الدولة اللبنانية. هذا يعني بالتالي أنّ لبنان لن يستطيع أن يجد حلولاً حقيقية لمشكلاته المتفاقمة ولما يعاني منه اللبنانيون من مشكلات، إذا لم يجر العمل على معالجة الأسباب الأساسية التي أوصلت لبنان إلى ما وصل إليه، وما لم تستعد الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة، وهو الأمر الممنوع عليها استعادتها بسبب الاختطاف الذي يمارسه عليها حزب الله والاحزاب السياسية المؤتلفة معه عليها وعلى الشعب اللبناني.
س: أنا سأعود إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان من سنة 2009 تحديداً، وهي أصدرت القرار بالأمس، وبالتالي هل هناك آلية ما لتنفيذ قرار مجلس الأمن. إذ أنّ الحيثيات موجودة كاملة لكي تمكن هذه المحكمة، بحيث تكون هناك جهات لتنفيذ قراراتها. هل يمكن السعي في هذا الإطار للعودة إلى مجلس الأمن والبناء على بيان وزارة الخارجية السعودية ودعوة الدول للضغط من أجل تنفيذ قرارات هذه المحكمة؟
ج: يعلم الكثيرون أنّ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، قد تألفت تحت الفصل السابع لمجلس الأمن. وبالتالي، فإنّ قراراتها ملزمة لجميع دول العالم. وهذا الأمر يتطلب من جميع المعنيين بهذه المسألة في لبنان أن يعبروا ويمارسوا احترامهم الكامل لقرارات هذه المحكمة الدولية. وبالتالي، فإنّه يتوجّب على الحكومة اللبنانية وعبر السلطات القضائية اللبنانية أن تصدر قراراً بالقبض على أولئك الجناة. كذلك، فإنّ هذا الأمر يفترض أيضاً أن يكون هناك سعي جدي من قبل مجلس الأمن من أجل أن يصدر موقفاً يدعو فيه الدول المعنية لاحترام القرار الصادر عن هذه المحكمة التي تألّفت تحت الفصل السابع من شرعة مجلس الأمن. والحقيقة أن هذا ما عبّر عنه المدعي العام للمحكمة الدولية نورمان فاريل في دعوته المجتمع الدولي إلى: "توفير كل الإمكانات المتاحة لتوقيف المرتكبين الثلاثة في هذه الجريمة".
وبالتالي، فإنّه من الضروري أن يصار ومن قبل جميع المعنيين في لبنان وخارج لبنان إلى التعبير عن هذا الاحترام للشرعية الدولية، وإلاّ تصبح الشرعية الدولية في خبر كان. وهنا تكمن المشكلة، إذ يجب أن يكون هناك مسعى حقيقي من قبل مجلس الأمن من أجل تأمين الدعم الكامل لكي يصار إلى احترام قراراته، وتنفيذ الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة.
س: أستاذ فؤاد، من أين نبدأ؟ هل نبدأ من الحكومة حتى لو كانت تسيير أعمال ولدينا وزير ورئيس جمهورية ورئيس حكومة، وكلهم معنيون بهذا الموضوع، ولكن الحكومة لم تقدم طلب بذلك؟
ج: أنا أعتقد أنّ هناك موقفاً يجب أن تتخذه الحكومة اللبنانية في هذه القضية السياسية والأخلاقية بامتياز لجهة التأكيد على المباشرة بالعمل من أجل إصدار مذكرات توقيف من قبل السلطات القضائية اللبنانية، والتشديد على توقيفهم وتسليمهم للمحكمة الدولية.
لكن، وحتى نكون موضوعيين، فإنّه قد يكون من المتعذر على الحكومة اللبنانية أن تصل إلى هذا القرار نظراً للاختلافات الشديدة الناشبة بين أعضائها في هذا الخصوص وغيره. لذلك، أرى أنه يجب أن يكون هناك موقفاً وطنياً من قبل اللبنانيين وهيئات المجتمع المدني للمطالبة بالقبض على الجناة وبتنفيذ العقوبات بحقهم. وكذلك، وأيضاً موقفاً من الدول الصديقة للبنان، والتي يجب أن تدعو السلطات اللبنانية إلى الالتزام بهذه القرارات قولاً وفعلاً. وبالتالي المسارعة إلى القبض على أولئك الذين ارتكبوا هذه الجريمة وتسليمهم للعدالة، وإلاّ فعلياً سوف تبقى هذه العدالة الدولية منقوصة وغير كاملة، وهو أمر لا ينتج عنه الخير المطلوب من أجل إحقاق الحق والحؤول دون فرار المجرمين من وجه العدالة.
س: هذا القرار يأتي على واقع انقسامات عميقة في لبنان. رئيس الجمهورية لديه موقفه وربما يكون لديه حرج لتنفيذ هذا القرار لأنه لديه ارتباطات مع حزب الله، وبالتالي لديه موقفه، ولكن الحكومة ورئيس الحكومة هل ممكن أن يخاطب مجلس الأمن. وهذا ا لمجلس هو صاحب القرار الذي استند عليه لتأسيس هذه المحكمة وأنت قلت الدول الصديقة. وها نحن بدأنا بوزارة الخارجية السعودية، وربما تكون هناك دول صديقة أخرى تتوالى في إصدار بيانات؟
ج: هذا الأمر يشكّل مشكلة حقيقية. فالكلّ يعلم أنّ الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال ولا يمكن لها اتخاذ قرارات أساسية، ولو حتى عن طريق المراسيم الجوالة، ولاسيما نظراً لأنه لا تتوفّر الإرادة الصحيحة للقيام بذلك لدى عدد من أعضاء هذه الحكومة لتنفيذ هذا القرار بسبب أنهم خاضعين لسلطة وتأثير حزب الله عليهم.
لكن، وفي هذه الحالة، فإنني أعتقد أنّه ينبغي على رئيس الحكومة أن يصدر موقفاً واضحاً داعياً لتنفيذ هذا القرار والمطالبة بأن يصار إلى تنفيذه عن طريق المؤسسات القضائية اللبنانية، وأن يدعو بالتالي أيضاً من أجل أن يلتزم حزب الله بتسليم الجناة. هذا لأمر من الممكن أن نتوقعه من دولة الرئيس، وبالتالي أن يصار إلى توجيه دعوة إلى الأشقاء والأصدقاء من أجل دعم لبنان في تكوين مواقف داعمة لمطالبة مجلس الأمن في أن يصار إلى اعتماد الآليات والأساليب الصحيحة من أجل تنفيذ هذه الأحكام، وحضّ جميع المعنيين من أجل أن يصبح من الممكن أن يجتمع مجلس الأمن ويطالب لبنان بدوره في أن يصار الى تنفيذ هذا القرار.
س: أشرت إلى نقطة مهمة جداً، وهي أنّه يمكن أن يكون هناك تحالف داعم. كل الدول تعلن منفردة أنها تدعم لبنان، والكل يحب لبنان، لكن كيف يمكن بخبرتك السياسية الكبيرة أن يكون هناك تحالف داعم للبنان تحت غطاء جامعة الدول العربية ومؤسسات دول التعاون الخليجي وهناك كيانات سياسية كبرى أخرى؟
ج: بدون أدنى شك، يمكن أن تكون هناك مواقف داعمة على صعيد الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي لدعوة الحكومة اللبنانية إلى الالتزام بتنفيذ هذه القرارات.
هنا لا بدّ لي من أن أذكر أنه في الحقيقة هناك استعصاء مزمن في لبنان على الإصلاح من قبل مجموعة من الأحزاب الطائفية والمذهبية والميلشياوية، واستعصاء أيضاً على التقيد بقرارات الشرعيتين العربية والدولية. ولكني أعتقد، ومن جانب آخر- أنّ هناك مواقف يجب أن يصار إلى تكوينها عربياً ودولياً لحضّ لبنان ودعمه من أجل أن يتخذ القرارات الصحيحة والداعية إلى توقيف الجناة، ويجب بالتالي أن يصار إلى إبلاغ الحكومة اللبنانية من قبل المجتمعين العربي والدولي، بأنّ عليها ان تتخذ مواقف واضحة لجهة الالتزام بالتنفيذ، وهو الأمر الضروري من حيث المبدأ، وكذلك ليتمكن المجتمعان العربي والدولي من أن تتعزز حركتهما للوقوف إلى جانب لبنان، والعمل على تقديم الدعم له. ذلك لأنّه ينبغي على لبنان أن يقوم بدوره من جهة، وأن يعبر عن احترامه للشرعية الدولية، ويثبت بأنّه مستعد لأن يكون ملتزماً بقرارات الشرعيتين العربية والدولية.
إنّ القرارات الصادرة عن المحكمة ليست مجرّد أحكام عادية صادرة، وذلك من أجل أن توضع بعدها بالأدراج، وتُنسى هناك، وأن لا تنتقل تلك الأحكام بالتالي بعد ذلك إلى مرحلة التنفيذ. على العكس من ذلك، فإنّ هناك مصلحة أكيدة للبنان بأن تعبر الحكومة اللبنانية عن مواقف صارمة بشأن التزامها بقرارات الشرعيتين العربية والدولية، ولاسيما وأنّ هذه المحكمة قد تألفت من قبل مجلس الأمن تحت الفصل السابع، وأنّ على لبنان أن يلتزم احترامه الصحيح والحقيقي لهذا القرار.
س: لكن حتى لو سرنا في هذا الاتجاه وقلنا إنّ الدبلوماسية العربية الممثلة في الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن يمكن أن تضغط في تنفيذ هذا القرار باعتباره معني بالفصل السابع سوف يكون هناك حرج لأنه من المفروض أنّ هذا الموضوع يبدأ من سفير لبنان في الأمم المتحدة وممثلها في مجلس الأمن، وبالتالي إن لم يبادر لبنان فكيف يمكن أن نطلب من الدول الأخرى أن تبادر فهذه النقطة محرجة دبلوماسياً؟
ج: من دون شك أن هذا الأمر محرج للحكومة اللبنانية. ولكن هذا الأمر- وبالفعل- يوجب على الحكومة اللبنانية أن تقوم به. من جهة أخرى فإني أدرك أنّ الحكومة اللبنانية هي في حالة اختلاف داخلي بين أعضائها على العديد من المسائل والشؤون. وأحد هذه المسائل الشائكة هو المحكمة الدولية. ولقد عبّر بعض أولئك الفرقاء ومنهم عدد من الأحزاب اللبنانية- وفي مقدمها حزب الله- عن معارضتهم لإنشاء هذه المحكمة بالأساس ومنذ أن تألفت، وهم بدأوا ذلك خلال ترؤسي لحكومتي الأولى في العام 2007، بالرغم من أنه قد جرى الإقرار بذلك في جلسة الحوار الأولى التي عقدت في المجلس النيابي في آذار من العام 2006. إلاّ أنهم، وبالرغم من ذلك، فإنهم كانوا ولايزالون معارضين لهذه المحكمة، وهم ومنذ ذلك الوقت يعتمدون كل الأساليب والمواقف ويضعون العراقيل من أجل الوقوف في وجه قيام المحكمة الدولية بدورها ومسؤولياتها، وها هم الآن يعارضون ويعرقلون تنفيذ قراراتها.
الآن وقد صدرت قرارات المحكمة الدولية من الغرفة الاستثنائية، وهي الدرجة الأخيرة والنهائية للمحاكمة الغيابية، ولم يعد هناك من درجة ثالثة للمحاكمة في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ما لم يسلِّم أولئك المذنبون أنفسهم للعدالة الدولية ويطلبون عندها إعادة المحاكمة.
الآن وقد صدر القرار بالإدانة بالإجماع، فإنّ هذا الحكم يجب أن يكون خاضعاً وجاهزاً للتنفيذ.
الآن هناك حالة ضياع وتنافر في الموقف اللبناني، ولكن أعتقد أنّ هناك موقفاً يجب أن يتخذه رئيس الحكومة في هذا الصدد، وأن تكون هناك مواقف وطنية وعربية ودولية داعمة حتى يشعر الجميع أيضاً في لبنان أن هذا الأمر ليس مقبولاً ولا أن يستمر التقاعس عن تنفيذ هذه الأحكام، كما أنه ليس مقبولاً لقرارات مثل قرارات المحكمة المنبثقة عن مجلس الأمن الدولي ان تظل عصية على التنفيذ.
