الرئيس السنيورة لـ الحدث: تكليف ميقاتي أفضل الممكن ولكنه أقل بكثير مما هو مطلوب من أجل إنقاذ لبنان من حالة الانهيار

اجرت قناة الحدث من محطة العربية حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة تناول اخر التطورات ومنها افاق المرحلة المقبلة بعد تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة وفي ما يلي نص الحديث:
س: معنا من بيروت رئيس الوزراء اللبناني الاسبق دولة الرئيس فؤاد السنيورة أهلا بك دولة الرئيس على شاشة الحدث.ميقاتي كُلِّف بتشكيل الحكومة اللبنانية ولكن دون أن يحصل على الغطاء المسيحي، لا من التيار الوطني الحر ولا من القوات اللبنانية. بحسب اعتقادكم كيف سوف ينعكس غياب هذا الغطاء المسيحي على ميقاتي؟
ج: بدايةً، مساء الخير لك ولجميع المشاهدين. لقد حصل التكليف اليوم في مرحلة شديدة الصعوبة يمرّ بها لبنان، ويكتنفها الكثير من اللايقين لكوننا أصبحنا في نهاية عهد الرئيس عون الذي ستنتهي ولايته خلال الأشهر القليلة القادمة، وبانتظار عهد جديد لم تتضح معالمه على الإطلاق. ولذلك، فإنّ ما حصل في هذا التكليف يعتبر بمثابة أفضل الممكن، ولكنه أقل بكثير مما هو مطلوب، من أجل إنقاذ لبنان من حالة الانهيار التي تعصف به.
هذا التكليف هو ناتج عن هذا التشرذم الكبير الذي أصبح عليه المجلس النيابي اللبناني. والأكثرية التي فازت لاتزال مشرذمة إلى حد بعيد، ولم تتفق فيما بينها حتى على المبادئ الأساسية التي ينبغي عليها أن تتجمع من حولها لكي تستطيع أن يكون لها موقف واضح من جملة القضايا والمسائل المطروحة والشائكة. ولهذا وجدنا هذا العدد الكبير من النواب اللذين لم يسموا أحداً ليكلفوه بتأليف الحكومة. علماً أنّه يفترض بأولئك النواب، واستناداً إلى الوكالة التي أعطاهم إياها اللبنانيون في الانتخابات أن يسمّوا من يقترحونه لا الاستنكاف عن ذلك. ومع أنّ التصويت بورقة بيضاء أو الامتناع عن التكليف هو حقّ ديموقراطي ولكنه يخالف روح الدستور. فالنائب الذي حصل على هذه الوكالة عليه أن يبدي رأيه الواضح في قضية في غاية الأهمية، وهي قضية تأليف الحكومة، وذلك لكي تنتظم العملية الديموقراطية.
الآن، نحن وصلنا إلى هنا، حيث أنّ هناك عدد قليل من النواب المسيحيين الذين سمّوا الرئيس ميقاتي لتأليف الحكومة. هذا الأمر كان ينبغي معالجته قبل حدوثه، ولقد كان المفروض برئيس الجمهورية أن يتفادى هذا الأمر من خلال التواصل الذي كان ينبغي أن يقوم به أو كان يقول إنه يقوم به. وهو على الأرجح لم يقم به من أجل تفادي هذا الذي حصل. على أي حال، الذي حصل الآن هو عمل دستوري لأنّ الرئيس ميقاتي حصل على الأكثرية بحصوله على 54 صوتاً. صحيح أنها قليلة، ولكن في النهاية هذا أفضل الممكن. ولذا، فإنّه كان ينبغي على رئيس الجمهورية ويفترض به أن يكلف الرئيس نجيب ميقاتي من أجل تأليف الحكومة وهو ما حصل. المهم الآن هو ما يجب أن يحصل بعد ذلك. إذ أنه ينبغي أن يكون التأليف ميثاقياً، وأن تحصل الحكومة العتيدة على الثقة من مجلس النواب، وبأكثرية واضحة لكي يتحقق الاستقرار وتتمكن الحكومة عندها من التصدي الصحيح للمشكلات التي يواجهها لبنان.
س: المسألة دستورية، ولكن أليس من المفترض أن يعتذر ميقاتي باعتباره لم يحصل على الدعم المسيحي، ربما هي فرضية دستورية فقط. ولكن ميقاتي يحصل قانونياً على صلاحية تشكيل الحكومة، ولكن سياسياً يقال من قبل البعض أن عليه أن يعتذر؟
ج: أنا أعتقد أنه يجب ان ننظر إلى ما حصل الآن بشكل موضوعي. الحقيقة كما أراها الآن، أنّ هذا التكليف للرئيس ميقاتي سيمرّ بمخاض كبير وعسير. الآن هناك صعوبة كبيرة في التوصل إلى توافق بشأن التأليف نظراً لوجود وجهات نظر متباينة لدى الكثيرين من النواب بين الذين صوتوا مع تكليف الرئيس ميقاتي من جهة، وبين الآخرين الذين لم يسمونه من جهة أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ هناك تباين كبير بسبب حالة اللايقين التي تعاني منها البلاد. وذلك بسبب أن هناك قضايا أساسية كان ينبغي أن تكون واضحة للجميع بضرورة العودة على أرض الواقع من أجل تسهيل عملية التأليف، ولاسيما أنّ العديد من النواب الذين انتخبوا حديثاً مازالوا تحت تأثير المواقف الشعبوية التي أعلنوا عنها خلال العملية الانتخابية.
الحقيقة، انّه يجب أن يكون هناك وضوحاً لدى الجميع أن هناك تحديات كبرى أمامنا في لبنان. وأولها، التحدي الكبير في التوافق على انتخاب رئيس الجمهورية الجديد، والتوصل إلى توافق بشأن من يمكن له ويستطيع أن يكون عليه رئيس الجمهورية الجديد. هذا الرئيس الجديد ينبغي أن يكون قوياً ومؤيداً من قبل جميع اللبنانيين بمختلف فئاتهم ولا أن يكون يمثل فريقاً من اللبنانيين أو قوياً فقط لدى فريق منهم، وذلك على نسق التجربة التي عشناها في عملية التسوية الرئاسية في العام 2016، والتي وصل بموجبها الرئيس عون إلى أن يصبح رئيساً للجمهورية. إذ يفترض برئيس الجمهورية الجديد أن يكون مقبولاً وقوياً لدى جميع الفرقاء اللبنانيين حتى يستطيع أن يقوم بمهامه كرئيس للدولة، ورمز وحدة الوطن، وفوق جميع السلطات، ويسهر على احترام الدستور، ويحافظ على استقلال لبنان وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه. هذا الأمر، وحتى الآن، ليس هناك من توافق عليه. كذلك ليس هناك من توافق على طبيعة القضايا والمسائل الأساسية التي ينبغي أن يكون اتفاق عليها لمعالجة المشكلات الاقتصادية والمالية والمعيشية، وذلك إلى جانب برنامج التعافي الاقتصادي الذي يجب أن يوقع مع صندوق النقد الدولي. ومن ذلك أيضاً، الاتفاق على وجوب استعادة الدولة لقرارها الحرّ ولسلطتها الواحدة على الأراضي اللبنانية.
س: قبل أن نصل إلى مسألة انتخاب رئيس الجمهورية، وقبل أن نصل إلى البرامج الإصلاحية خاصة أن الرئيس ميقاتي قال ان الفرصة الوحيدة المتاحة الآن للتفاوض مع صندوق النقد الدولي من أجل الإصلاح. وقبل كل هذا هل فعلاً من الممكن للرئيس ميقاتي أن يشكل الحكومة اللبنانية في غياب الثلث المعطل لحزب الله وغياب الدعم المسيحي ووجود خلافات مع رئيس الجمهورية ومع جبران باسيل؟
ج: أنا أعتقد أنّ هذه الفرصة غير متاحة لإنجاز هذا العمل خلال الأشهر الأربعة القادمة. لنأخذ مثالاً على ذلك: التجارب التي مررنا بها على مدى الاثني عشر عاماً الماضية تبيّن أنّ معدّل الوقت المطلوب من أجل أن يصار إلى تأليف الحكومة، وأتأسف أن أقول، انّه في المعدل لا يقل عن ستة أشهر قبل أن يصار إلى النجاح في تأليف الحكومة. هكذا كان معدل الوقت اللازم لتأليف الحكومات خلال الاثني عشر عاماً الماضية. وبالتالي، أنا أعتقد انه من المستصعب الآن تأليف الحكومة الجديدة بهذه السرعة. والأمر يصبح مستصعباً أكثر في ظلّ حالة اللايقين التي نعيشها، لاسيما في ظل استمرار عهد الرئيس عون خلال الأشهر الأربعة القادمة وعدم وضوح صورة العهد القادم.
تجدر الإشارة أن الممارسة التي اعتمدها الرئيس عون خلال فترة ولايته لم تكن ناجحة وإلى حد كبير. فهو وحزبه وتحالفاته مع حزب الله والأحزاب المؤتلفة معهما أوصلوا البلاد إلى هذه الحالة من الانهيار. لذلك، أنا أقول الآن، أنّه في ظل هذه المرحلة التي نمر بها، فإنّه قد لا يكون من المتاح تأليف الحكومة الجديدة بسبب حالة اللايقين التي ذكرتها، وفي ظلّ حالة التشرذم الموجودة في المجلس النيابي. وبالتالي، فإنّ القضايا الشائكة التي على الحكومة أن تبت بشأنها لاتزال معلّقة وغير واضحة، ولاسيما بما يتعلق بمسألة سيادة الدولة اللبنانية وسلطتها، وبضرورة تصحيح وتصويب التوازنات الداخلية المختلة، وأيضاً بما يتعلق بعلاقة لبنان مع الأشقاء العرب، ولاسيما بسبب استمرار اختلال التوازنات في سياسة لبنان الخارجية. ولذلك، نجد أن هناك إشكالية كبيرة تواجه عملية التأليف قد يصعب معها النجاح في عملية تأليف الحكومة الجديدة في خلال المرحلة القصيرة المتبقية من عهد الرئيس عون.
ولكن ينبغي على رئيس الحكومة المكلف، أن يتابع مشاوراته وأن يقوم بكل المحاولات اللازمة من أجل أن يتخطى هذه العقبات. هل هذا متاح أو هل الاحتمالات الإيجابية عالية لتأليف الحكومة؟ أنا أميل إلى الظن أن الاحتمالات ضئيلة.
س: التقيت اليوم بالرئيس ميقاتي ما الذي سمعته من الرئيس ميقاتي وما النصيحة التي قدمتها له من خلال تيسير تشكيل الحكومة؟
ج: أنا أعتقد أنّ الرئيس ميقاتي مدرك لكل المصاعب الموجودة التي تعترضه. وأنا من الذين يؤمنون بأنه ينبغي علينا جميعاً الآن أن نتمتع بكثير من الحكمة والتروي ولكن أيضاً بكثير من الصلابة المبدئية في ما يتعلق باعتماد الحلول الصحيحة والناجعة التي يحتاجها لبنان للخروج من مآزقه.
نحن نمر الآن بهذه المرحلة الصعبة، والتي لم تعد تنفع فيها المعالجات بالمراهم. وهي الطريقة التي لجأنا إليها في لبنان خلال السنوات الماضية، والتي لم تؤد إلى اعتماد الحلول الحقيقية، وهي أدّت بالتالي إلى تفاقم المشكلات التي نعاني منها أكانت مشكلات وطنية أو سياسية أو اقتصادية أو مالية أو نقدية أو إدارية. كل هذه المشكلات التي نواجهها الآن قد أصبحت تستحق من جميع المعنيين الولوج نحو اعتماد الحلول الصحيحة، وكما يقول القرآن الكريم: "الآن حصحص الحق". وبالتالي على الجميع أن يدرك أن الخروج من هذه المأزق التي نحن فيها لم يعد يكفيه فقط أن يصار إلى اعتماد برنامج يتوافق فيه لبنان مع صندوق النقد الدولي، بل هناك أيضاً حلولاً سياسية يجب التوافق بين المعنيين في لبنان على اعتمادها، وأن يواكب الاتفاق مع صندوق النقد الدولي التقدم على مسار استعادة الدولة لسلطتها الحقيقية في لبنان ولقرارها الحر، والالتزام باحترام الدستور وفي استعادة الاحترام للشرعيتين العربية والدولية. هذه الأمور هي التي نحن بأمس الحاجة إليها. أما الاستمرار بالمناكفة والمراوغة وبمحاولة تدوير الزوايا من هنا وهناك بطريقة لا تؤدي إلى نتيجة عملية، فأنا لا أعتقد انه يمكن أن توصلنا إلى الحلول الصحيحة، ونحو الخروج من حالة الانهيار التي نعاني منها حالياً.
