الرئيس السنيورة: حكومتي الثانية هي التي رسمت الخط 23

-A A +A
Print Friendly and PDF

 اجرت قناة الحدث من محطة العربية  حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة في ما يلي نصه : مقدمة المذيع: إلى لبنان حيث يصادف اليوم السابع عشر من تشرين التي وإن فشلت قوى التغيير في تحقيق التغيير الجذري، إلاّ انها نجحت في تكوين فكرة نجحت في الظروف التي أحاطت بها، ولكن لم تنجح في التحول إلى تجمع إلاّ أنها تبقى فكرة في أذهان اللبنانيين. الآن، كل لبنان يعيش مآسيه يومياً على الصعد كافة والأفكار تعيش: هل كانت ثورة أم فورة؟ أين أخطأت وأين أصابت؟ ماذا غيّرت وماذا كرّست؟ كلها أسئلة تطرح بشكل يومي أكان في الانتخابات أو فيما أفرزته؛ أكان في النواب التغييريين أو بخياراتهم بعد انتخابهم.

ولعلّ هذه الفكرة لاتزال بحاجة إلى بلورة طالما أن السلاح غير الشرعي لايزال حاضراً وحامياً لمنظومة انتفض بوجهها اللبنانيون في السابع عشر من تشرين 2019.

وبعد ثلاثة أعوام على انتفاضة تشرين حصل تطور آخر في لبنان مثير للجدل وهو دعوة لأسماء تمثل الأحزاب والطوائف إلى عشاء في السفارة السويسرية التي ألغته بعد أن ساء فهمه- وفق تعبير السفارة- التي أعلنت أنّ القصد منه كان للحوار وليس لإنشاء مجلس تأسيسي جديد.

فسياديو لبنان انتفضوا بوجه هذه المبادرة التي رأوا فيها محاولة للانقضاض على اتفاق الطائف وهدية جديدة تقدم لحزب الله ومن وراءه إيران، وذلك لتكريس مؤتمر تأسيسي جديد للبنان مفصل على مقاس الدويلة.

حزب القوات اللبنانية أصدر بياناً في الأثر بعد اعتذاره عن الدعوة قال فيه ان الدعوة التي قدمت له لم تطرح فيها طاولة حوار وطنية بل مجرد دعوة إلى عشاء اجتماعي. وعندما تحول لقاء العشاء في الإعلام عن صواب أم عن خطأ إلى طاولة حوار يتم التحضير لها في داخل البلاد أو في خارجها في هذا الظرف بالذات طلبت القوات اللبنانية من النائب ملحم رياشي الاعتذار عن المشاركة في هذا العشاء بحسب ما جاء في البيان. وشدّد حزب القوات اللبنانية أنّ الوقت الحالي هو لانتخاب رئيس ضمن المهل الدستورية ولا

وقت لحوار على مقاس حزب الله وحرف الأنظار عن الاستحقاق الرئاسي، بما يخدم الفريق الذي يريد استمرار الفراغ الرئاسي- في إشارة مباشرة إلى حزب الله وحلفائه- وشدّد حزب القوات اللبنانية بأنّ البلاد بحاجة لرئيس يعيد تصحيح الانقلاب على اتفاق الطائف والدستور اللبناني.

س: مرحبا بك دولة الرئيس، نريد أن تستوضح منك ما الذي جرى مؤخراً؟ هل ثمة نشاطاً دولياً يحاول الترويج لاتفاق جديد يعاكس ما اتفق عليه في الطائف؟

ج: مساء الخير لك ولجميع المشاهدين. اودّ أن أثني على المقدمة التي قد تفضلت بها بشأن توصيف التطورات الحاصلة في لبنان على مدى السنوات الثلاث الماضية.

الواقع، أنّ اليوم هو الموافق لمناسبة مرور ثلاث سنوات على الانتفاضة الشبابية التي حصلت في لبنان يوم السابع عشر من شهر تشرين الأول في العام 2019، وهي ظاهرة سياسية صحيّة عبّر فيها أولئك الشباب عن رفضهم لتلك الممارسات التي أوصلت لبنان إلى ذلك الدرك. ولكن كنا نتوقع أن تسير تلك الانتفاضة بعد ذلك على المسارات الصحيحة إلاّ أنها حولت مساراتها من خلال مواقفها المتضاربة، وحيث جرى حرف توجهاتها، ولاسيما تمسكها بنظرية "كلهم يعني كلهم". وهي فكرة غير صحيحة من أساسها، والتي أدّت الى تجهيل الفعل والفاعل، وبالتالي أدّت إلى حرف الانتباه عن حقيقة المشكلات التي يعاني منها لبنان- والمتمثلة وبشكل أساسي- في ازدواجية السلطة وسيطرة الدويلة على الدولة.

من جهة أخرى، فإنّ الانتخابات التي حصلت في أيار الماضي، أدّت إلى فرز أكثرية واقلية. الأقلية، وهي حوالى ستين نائباً يتزعمها حزب الله، وهي أقلية متضامنة متراصة مع بعضها بعضاً إلى حدٍّ معقول. وأما الأكثرية، فهي حوالى 68 نائباً مؤلفة ممن كان بعض منهم من تجمع 14 آذار، والنواب التغييريين الجدد، وهم أكثرية متفرقة ومشرذمة وغير متضامنة.

لقد كنا نتوقع من أولئك التغييريين أن يسعوا إلى أن يحققوا توافقاً فيما بينهم لكي يشكلوا مجموعة متراصة تستطيع ان تسهم في تحقيق التقدم على مسار استعادة الدولة لدورها ولصلاحياتها ولقرارها الحر، وهو ما لم يحصل حتى الآن.

وحول ما تحدثت عنه بشأن الدعوة التي قام بها الجانب السويسري في دعوة عدد من ممثلي الأحزاب للقاء والتشاور والحوار، فإنها في الواقع تأتي خلال فترة تعالت فيها أصوات تطالب

بما يسمى تعديل اتفاق الطائف أو تغيير بعض بنوده وأخرى للدعوة للحوار بشأنه، وتسعى إلى إعداد منصّة ومكان خارج لبنان لبدء عملية الحوار. في أجواء تلك الخلفية، أتت هذه الدعوة السويسرية لعدد من ممثلي الأحزاب السياسية، ربما ان الجانب السويسري لم يكن يقصد ذلك، ولكن أرى أن الدعوة بالطريقة التي جرت والأسلوب الذي اتّبع وضمن المعطيات السائدة الآن في لبنان جاءت بطريقة وكأنها توحي بأنها دعوة من اجل التفاوض وبدعوة من الجانب السويسري على مسائل تتعلق باتفاق الطائف. وهذا ما أثار تخوفات مما قد تجره هذه المبادرة. ولذلك حصلت الضجة، والتي أدّت إلى تأجيل تلك الدعوة.

دعيني هنا أوضح مسألة بغاية الأهمية، وهي أنّ اتفاق الطائف كان له الدور الأكثر في التوصل والتأكيد على ميثاق العيش المشترك بين اللبنانيين، وليس كما يحاول البعض أن يصم هذا الاتفاق بأنّه اتفاق وخطأ تاريخي. هذا الاتفاق أدّى إلى إنهاء الحرب اللبنانية بداية، وإلى وضع شرعة جديدة للعيش المشترك ما بين اللبنانيين. وهذا الاتفاق عندما اتفق عليه وأقرّه مجلس النواب اللبناني في العام 1989 في الطائف لم يحصل هكذا وفجأة، بل تمّ التوصل إلى إقرار بنوده بعد مخاض طويل وتشاورات وحوارات طويلة أخذت بعين الاعتبار جميع الاتفاقات والمؤتمرات العديدة التي عقدت في لبنان وخارج لبنان على مدى أكثر من أحد عشر عاماً وبداية من الوثيقة الدستورية التي أطلقها الرئيس سليمان فرنجية في العام 1976، وبالتالي ليس الآن أوان إعادة النظر باتفاق الطائف. هذا الاتفاق حصل ما بين اللبنانيين. وهو الاتفاق الذي لم يجر تطبيقه كما كان يفترض ولم يجر استكمال تطبيقه. ولذلك، الأولوية في هذا الصدد، هي لتصحيح الممارسات ولاستكمال تطبيق هذا الاتفاق، وبعد ذلك عندما تهدأ النفوس في لبنان يمكن البحث في هذا الاتفاق، إن كانت هناك حاجة لذلك.

س: ما هي أولوية اللبنانيين الآن دولة الرئيس إذا سمحت خاصتاً في ظل انتخاب رئيس الجمهورية وأين وصلتم بهذا الشأن؟

ج: أعتقد أنّ الأولوية الآن هي لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. والأمر الآن- وكما ذكرت لك- أنّ هذه الانتخابات أفرزت فريقين فريق متضامن وفريق متناثر، ولكن هذين الفريقين يستطيع كل منهما أن يعطل الانتخابات الرئاسية وعلى ما يبدو هذا ما يسعى إليه الآن حزب الله. ذلك لأنه يريد رئيساً للجمهورية يضمن له استمرارية سلاحه خارج نطاق الدولة،

واستمرار قدرته وفي الحد الأدنى على ممارسة التعطيل لما لا يعجبه من قرارات في الحكومة، أو في المجلس النيابي، أو أن يمسك بالقرار اللبناني كاملاً.

في المقابل، نحن نعلم أن الأمر في لبنان لم يعد من الممكن القبول باستمرار لبنان على ما هو عليه من انهيار ومن دون العمل على إنهاء هذا المأزق الكبير الذي فيه. وهذا الانهيار الكبير الذي يعاني منه بلبنان تتركز أسبابه الأساسية في استمرار اختطاف الدولة من قبل الدويلة، وتحديداً من قبل سلاح حزب الله ومن قبل الأحزاب التي تنضوي تحت سلطة حزب الله.

س: دولة الرئيس، ماذا عن اتفاق الترسيم الأخير الا يضع كل مسؤول سواء رئيس الوزراء المكلف الآن نجيب ميقاتي او حتى الرئيس الذي سيسكن قصر بعبدا بعد أيام أمام مسألة بأنهما يباركان عملية ترسيم الحدود، وبالتالي هذا السلاح الذي كان يشاع في الماضي بأنّه لمقاومة الإسرائيليين، وبالتالي لم يعد له لزوم؟

ج: صحيح ما تشير إليه بشأن مآلات هذا السلاح بعد هذا الاتفاق. ولذلك، وتفادياً لهذه النتيجة، فإنّ ما يحاول حزب الله أن يقوم به الآن هو أن يغرس في عقول اللبنانيين أنه ما كان بالإمكان أن يتوصل لبنان إلى هذا الاتفاق لولا السلاح والتهديد الذي كان شكله هذا السلاح على اسرائيل وأن هذا السلاح هو نفسه الذي ينبغي الحفاظ عليه لأنه يجب أن يكون الضامن لاستمرار هذا الاتفاق ولاستمرار إمكانية استعادة لبنان لثرواته ولاستخراج ثرواته. بينما في الواقع أنّ هذا السلاح هو الذي أصبح الآن يهدّد وجود الدولة، وهو الذي يهدد الاستقرار الوطني والسياسي والاقتصادي، وهو الذي يمنع استعادة نهوض لبنان الاقتصادي من خلال الاستعادة التدريجية لدور الدولة ولسلطتها الكاملة ولقرارها الحر.

الآن يحاول حزب الله أن يشدد على سرديته بأنّ هذا السلاح هو الذي استطاع أن يستعيد هذه الثروات في باطن المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان. والحقيقة عكس ذلك، إنّ هذا الاتفاق الذي جرى التوصل إليه، وتمَّ بوساطة من الجانب الأمريكي هو الذي كانت قد حدّدته والحكومة اللبنانية التي كنت أراسها التي حددت الخط 23 في العام 2009، وأنّ الظروف الجيوسياسية في العالم وفي مقدمها الحرب في أوكرانيا وتداعياتها الكثيرة، ولاسيما في ما يتعلق بالطاقة، حتّمت التوصل إلى هذا الاتفاق. بالمناسبة، عندما حدّد لبنان حدوده في المنطقة الاقتصادية الخالصة في العام 2009 إسرائيل، لم تكن قد حدّدت حدودها. هي

حدّدت حدودها بعد سنتين، وخلالها طورت حقولها، وبدأت بالإنتاج؛ بينما انشغل اللبنانيون في السجالات والخلافات. وها قد تبين ان موقفي كان صحيحاً.

أما عن صفات رئيس الجمهورية التي من الممكن أن تقود لبنان الى وضع مختلف عما هو عليه الآن. هو الرئيس الذي يركز على عودة لبنان إلى العالم العربي ويستعيد دور لبنان في محيطه العربي، وكذلك الإقليمي والدولي، لأن الناس بحاجة إلى رئيس يمكن أن يستعيد صداقة لبنان وعلاقاته الوثيقة مع العرب والعالم.

بالتحديد هذه هي الصفات الذي يجب أن يتمتع بها الرئيس الجديد بأن يكون الحكم، وليس أن يكون منتمياً إلى فريق من اللبنانيين، وهو الذي يستطيع أن يجمع اللبنانيين لا ان يفرق اللبنانيين، وهو الذي ائتمنه الدستور للمحافظة عليه.

هذه صفات الرئيس الجمهورية في لبنان.

تاريخ الخبر: 
17/10/2022